هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

98

الجزء ٥ · صفحة ٩٧

﴿ وهُو الَّذى أنْشأكُم من نَفْسٍ واحِدةٍ ﴾ ابتدأ خلقكم من نفس واحدة هى أدم ، لأن أمنا حواء منه أيضا ، فصح أن يقال من نفس واحدة ، لأنا وإياها كلنا منه ، فما كان منها فهو أيضا منه ، هذا ما ظهر لى ، ولا يشكل عيسى لأنه من مريم ، وهى من أب وأم إلى آدم ، وهذا ايضا دليل لقدرة الله تعالى ووحدانيته ﴿ فمُسْتقرٌّ ومسْتَودعٌ ﴾ اسما مكان أى موضع استقرار ، وموضع استقرار ، أو مصدران ميميان أى لكم استقرار أو استيداع ، والوجهان فى الأقوال الآتية كلها ، وهو حينئذ محذوف الخبر ، أى فلكم مستقر ومستودع ، فالمستقر صلب الأب أو الاستقرار فيه ، والمستودع رحم الأم أو الاستيداع فيه ، وذلك أن الاستقرار أعظم ثباتاً من الاستيداع ، لأن الاستيداع معرض للانتقال ، فكان المستقر أولى بالصلب ، كذلك روى عن ابن عباس ، وذلك أن النطفة أسبق فى صلب الأب وأبقى فيه زماناً أطول من بقائها فى الرحم ، إذا خرجت من الأب إلى الرحم ، أعنى المادة التى تستحيل نطفة ، وهذا مشكلن لأن للأم أيضا نطفة سبقتها ، لأنها فى صدرها .

والجواب أن المعتبر ماء الرجل لأنه أعظم وأكثر ، ووجهه بعض بأن النطفة حصلت فى صلب الأب لا من قبل غيره ، ثم فى رحم الأم من جهة الأب ، فهى فيها وديعة ، وعن ابن عباس المستقر رحم الأم ، والمستودع الصلب : وقرئ : ﴿ ونقر فى الأرحام ما نشاء ﴾ لأن النطفة لم تبق فى الأب نطفة إلا زماناً قليلا بعد كونها نطفة ، وتبقى فى رحم الأم أربعين يوما ، وتبقى مستحيلة أطواراً وجنينا مدة طويلة ، وهذه الرواية عن ابن عباس هى المشهورة .

قال سعيد بن جبير : قال لى ابن عباس رضى الله عنهما : هل تزوجت؟ قلت : لا ، قال : أما أنه كان مستودعا فى ظهرك فسيخرجه الله تعالى ، وهذا قول الجمهور ، قالوا : مستقر فى الرحم ، مستودع فى ظهور الآباء حتى يقضى الله بخروجه ، قال ابن عون : مشيت إلى منزل إبراهيم النخعى وهو مريض ، فقالوا : قد توفى فأخبرنى بعضهم أن عبد الرحمن بن الأسود سأله عن مستقر ومستودع فقال : مستقر فى الرحم ومستودع فى الصلب ، وكان ابن عباس يقرأ فمستقر الرحم ، ومستودع الصلب .

وعن ابن مسعود : المستقر الرحم والمستودع القبر إلى يوم يبعث ، وقال الحسن : المسقر ظهر الأرض فى حياته ، والمستودع القبر بعد موته إلى البعث ، قال الله جل وعلا : ﴿ ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين ﴾ وبه قال مجاهد ، وروى عن الحسن عكس هذا ، وأنه كان يقول يا ابن آدم أنت مستودع فى أهلك إلى أن تلحق بأهلك يعنى القبر ، وقال ابن عطية : كل من الصلب والرحمن والدنيا والقبر والمحشر مستودع ، لأنه ينتقل من كل للآخر وكلا أيضا مستقر بالنسبة إلى ما قبله ، مستودع بالنسبة لما بعده ، والجنة أو النار مستقر على الإطلاق ، لأنه لا انتقال منهما ، وكأنه يرى الخلود فى النار كالجنة ، وقيل : المستقر الجنة أو النار ، والمستودع القبر ، وتشكل الفاء بتفسير ما يليها فى بعض هذه الأقوال بالمعنى الذى يتأخر وجوده عن معنى لفظ المستودع ، لما مرّ من أن المتعاطفات بغير الفاء وثم بعد المعطوف بالفاء لا ترتيب بينها وبين ما عطف قبلها بالفاء ، بل ترتيب بينهما بعد الفاء كله وما قبلها .

٢٬٠٩٧ / ٧٬٦٨٠