141
الجزء ٥ · صفحة ١٦٩﴿ وهُو الَّذى أنشَأ ﴾ خلق بإبداع ﴿ جنَّات ﴾ من بين الكروم ﴿ مَعْروشَاتٍ ﴾ مرفوعات الكروم على بناء يبنى لها ، أو على نحو خشب تغرز أو تمدها فتكون عليها ﴿ وغيرَ معْروشاتٍ ﴾ غير مرفوعات لم يبن لها ذلك ، ولم يغرز فتكون منبسطة على الأرض ، يقال عرّشت الكرم أعرشه بالتخفيف وبالتشديد إذا جعلته عريشا ، أى سقفاً على ما غرز له أو بنى ، أو رفعته على سقف سابق ، واعترش الكرم صار عريشاً على غيره أى سقفاً ، أو على سقف فالجنات المعروشات ، وغير المعروشات ، كلها من الكروم ، وذلك قول الضحاك ومجاهد ، ويسمى الكرم عريشاً .
وقال ابن عباس والكلبى : المعروشات كل ما ينفرش على الأرض ولا ساق له ، فيكون كسقف عليها كالكروم والقرع والبطيخ ، وفيه نظر ، فإنهُ لا يعهد نحو نبات القرع والبطيخ فى جنات ، وغير المعروشات ما لا يكون كالسقف على الأرض ، لأن له ساقاً يرفعه كالنخل والزرع وغير ذلك ، ونسب أيضا لابن عباس القول الأول ، وقيل : المعروشات ما من شأنه أن يعرش عرش أو لم يعرش وهو ما فى البساتين المتخذة عند القرى والأمصار من الكروم وغيرها ، وغير المعروشات ما كان فى البرارى والجبال من الكروم وغيره ، فإنهُ لمن شأنه أن لا يعرش ، وفيه نظر ، لأنهُ لا تعهد تسمية الشجرة الواحدة أو اثنين جنة ، ولا تعهد الكثرة والاتصال فى البرارى إلا أن يعد شجر البرارى المثمرة ، وقيل : المعروشات الكروم ، وغير المعروشات ما ينبت على الأرض ينبسط عليها .
﴿ والنَّخل والزَّرع ﴾ ذكرهما بالعطف على الجنات إذا لم يدخلا فى المعروشات وغير المعروشات وعلى دخولهما ، فذكرهما لأنهما المقصود الأصلى ، وكذا ذكر الزيتون والرمان والزرع وكلما يحرث كالبر والشعير ونحوهما ، وكاللفت والجزر ونحوهما .
﴿ مُخْتلفاً أُكُلُه ﴾ حلاوة وحموضة ، وجودة ورداءة ، وهيئة وقدرا ولونا ، والهاء للزرع والنخل وغيرهما ، بتأويل ما ذكر ، ولذلك أفرد ، أو أفرد باعتبار فرد فرد على العموم البدلى ، أى أكل كل واحد أو الهاء لأقرب مذكور وهو الزرع ، ويعلم الباقى بالقياس عليه ، قيل : أو للنخل والباقى يحمل عليه ، واختص لأنه أول بالنسبة للزرع ، فهو كالعمدة مع فصله عما بعده ، ومختلفا حال مما عادت إليه هاء أكله وهى مقدرة لا مقارنة ، لأنه حال لأنشأ ليس فيه ما يؤكل ، فضلا عن أن يختلف هذا الذى يؤكل ، والأكل بضم الهمزة ما يؤكل وهو ثماره ، لكن الضم منقول عندنا للتنوين .
﴿ والزَّيتُون والرُّمان مُتشابهاً وغيرَ مُتشابهٍ ﴾ يتشابه بعضه مع بعض ، ولا يتشابه بعضه مع الآخر لوناً وطعماً ، وقدراً وهيئة ، وورقاً وثمراً ، ومر كلام فى ذلك عند قوله : ﴿ وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات ﴾ الآية فإن هذه الآية وتلك سواء ذكر فيهما أنواعاً خسمة ، ولكن اختلف الترتيب بينهما ، ذكر هنالك الحب والنخل أولا لكونهما العمدة ، وذكر هنا العنب أولا لكونه ألذ مع ما زاد من تطريته بتنويعه إلى معروش وغيره ، إذا قلنا : إنه العنب ، وذكر هنا متشابهاً مرتين ، وهنالك الأول مشْتبها ، والأخير متشابها لزيادة التأكيد هنا ، فإن متفاعلا أبلغ من مفتعل ، لأن التفاعل للمسابقة أظهر ، وما للمسابقة يشتد التفاوت فيه ، واختص المبالغة بما هنا لأنه ثانٍ بالنسبة لما هنالك ، وهكذا كان مترفاً تزداد تشديداً وكالمبالغة بثم فى قوله :