122
الجزء ٥ · صفحة ١٣٧﴿ أوَ مَن كانَ مَيْتاً ﴾ شبيهاً فى عدم الانتفاع لنفسه ، وعدم تخليص نفسه من المهالك ، وذلك مخلو قلبه عما هو كالحياة وهو الإيمان ، وتشديد الباء قراءة نافع ويعقوب ، وقرأ غيرهما بإسكانها ﴿ فأحْييْناه ﴾ أزلنا ما فى قلبه من الشرك الشبيهة بالموت بالتوفيق للإيمان ﴿ وجَعَلنا لهُ نوراً ﴾ دلائل وبراهين توصله إلى الإيمان شبهية بالنور الذى يهتدى به إلى المطالب ﴿ يمْشِى بهِ فى النَّاسِ ﴾ يميز به أعنى بذلك النور بين الضلال والرشاد تميزا شبيهاً بمشى من يمشى فى الناس ذاهباً وراجعاً بينهم فى مصالحه .
﴿ كَمن مثلُه فى الظُّلمات ﴾ أى صفته الغريبة الشبيهة بالمثل فى الغرابة فى الظلمات مثله مبتدأن وفى الظلمات خبره ، وكمن خبر من الأولى ، والهمزة مما بعد الواو أو داخلة على محذوف ، ومعنى كون صفته فى الظلمات أنه مغمور بالظلمات غارق فيها ، لا يجد طريقاً ولا يتيسر له التصرف فى مصالحه ، والخروج عن المضار ، وذلك هو إشراكه ومعاصيه الشبيهة بذلك ، ويجوز فإنه بهاء بإشراكه لا ينجو من الشر ولا يفوز بالخيرن ومن أجاز زيادة الأسماء قال مثل مفخم ، والأصل كمن هو فى الظلمات .
﴿ لَيسَ بخَارجٍ منْها ﴾ الجملة حال من المستتر فى قوله : ﴿ فى الظلمات ﴾ حال كونه مقيماً فيها لا يفارقها ، أى ليس بخارج من الظلمات ، أى من الضلالات ، وليست الجملة حالا من هاء مثله ، ولو كان المضاف كجزء المضاف إليه هنا للفصل بالخبر ، ومجموع قوله : ﴿ من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشى به فى الناس ﴾ استعارة مركبة كما رأيت بيان إفرادها ولا يشكل معى ذلك ذكر أداة التشبيه فى قوله : ﴿ كمن مثله فى الظلمات ﴾ لأن هذا لفظ آخر خارج عن تلك الاستعارة .
وقيل : النور نور يوم القيامة الذى أمام المؤمن والظلمات ظلمات يوم القيامة أمام الكافر ، وقال قتادة : النور القرآن ، والظلمات الجهل ، وعلى كل حال المراد لتمثيل المؤمن والكافر عموماً ، وهو ظاهر متبادر ، وبه قال الحسن وغيره ، وعن ابن عباس : ﴿ من كان ميتاً فأحييناه ﴾ حمزة عم النبى A ﴿ ومن مثله فى الظلمات ﴾ أبو جهل لعنة الله ، رجع حمزة رضى الله عنه من الصيد ، ودخل المسجد ليطوف وكانت عادته إذا رجع منه أن يطوف قيل أن يدخل بيته ، فأخبر بسبّ أبى جهل لعنه الله رسول الله A ، فأقبل عليه غضبان يضربه بقوسه ، فجعل أبو جعل يتضرع ويقول : يا أبا يعلى ألا ترى ما جاء به سفَّه عقولنا ، وسب آلهتنا ، وخالف آباءنا ، فقال حمزة : ومن أسفه منكم عقولا ، تعبدون الحجارة من دون الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله ، فحينئذ أسلم حمزة فنزلت سورة الأنعام جملة وفيها هذه الآية فى شأنه ، وهذا الإيضاح منى .