هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

125

الجزء ٥ · صفحة ١٤٢

﴿ فَمَن يُرد اللهُ أنْ يَهْديه يَشْرح صَدْره للإسْلامِ ﴾ الفاء تعليل للإصابة ، لأن الإصابة تختص بمن لم يشرح صدره وقام التعليل بمفهوم هذا الكلام وبما بعده ، ومعنى الهداية ، والشرح هنا واحد وهو توفيق القلب لقبُول الحقن والرغبة فيه ، والصدر القلب ، سمى صدرا لأنه فيه ، والشرح التوسيع بأن يقبل الحق ويرغب فيه ، وينبسط له ، ولا ينفر عنه لما فيه من رضا المحبوب سبحانه وتعالى ، والفوز بالجنَّة والنجاة من النار ، وذلك توفيق ، ولما نزلت الآية سئل رسول الله A عن شرح الصدر فقال : « نور يقذفه الله فى قلب المؤمن وينشرح له وينفسح » قيل : فهل لذلك أمارة؟ قال : « نعم الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافى عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزوله »

﴿ ومَنْ يُردْ أن يُضلَّه ﴾ عن الحق ﴿ يجْعَل صَدْره ضيِّقاً ﴾ عن الحق نافراً عنه غير منفسح ، غير راغب فيه ، ولا منبسط لهُ إذ لا يرى داعية إليه محبوبه سبحانه وتعالى ، ولا يعتقد فيه خيراً يصيبه كفوز بالجنة عن النار ، وذلك لجعل ضيقاً هو نفس الإضلال ، وكلاهما هو الخذلان ، وضد الشرح المذكور وعلامته الركون إلى الدنيا بحيث لا تنشط جوارحه للاستعداد للآخرة ، ولا يستنشطها ، بل يتركها ويهملها وقرأ ابن كثير ضيقاً بإسكان الياء وهو وصف مخفف من ضيق بالتشديد أو مصدر أو خبر به عن الجثة مجاز مبالغة كأنه نفس الضيق لعظم ضيقه ، أو بتقدير مضاف ، أى ذا ضيق ، أو تأويله بالوصف ، أى ضائقا ، وكونه وصفاً مخففا أولى .

﴿ حَرجاً ﴾ صفة مشبهة ، أى متعطلا لا يصل إليه الحق ولا يتأثر به ، ولا منفذ فيه للحق ، قاله الكلبى وعن ابن عباس : إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه ، وإذا سمع ذكر الأصنام ارتاح لها ، قرأ عمر الآية وعنده أعرابى من كنانة فقال له : ما الحرجة فيكم؟ قال : الشجرة التى لا تصل إليها الدابة ترعاها ، ولا الإنسان يقطعها لمنفعة ، فقال عمر : كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شئ من الخيرن وروى أن عمر رضى الله عنه قرأها يوما بفتح الراء فقرأها بعض الصحابة بكسرها ، فقال : ابغونى رجلا من كنانة وليكن راعياً ، وليكن من بنى مدلج ، فلما جاءه قال له : يا فتى ما الحرجة عندكم؟ قال : الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية ولا وحشية ، قال عمر : كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شئ من الخير .

وقرأ ابن عباس فقال : هل ها هنا أحد من بنى بكر؟ قال رجل : نعم ، قال : ما الحرجة فيكم؟ قال : الوادى الكثير الشجر المشتبك الذى لا طريق فيه ، فقال ابن عباس : كذلك قلب الكافر ، يعنى لا يعى علماً ولا دليل التوحيد ، وصف الله جل جلاله صدره بأنه ضيق نافر عن الحق ، ثم بأنه متعطل شبيه بذلك الشجر لا مطمع فيه ، ولو فسرنا ضيقاً بما فسرنا به حرجا ، وحرجا بما فسرنا به ضيقا لجاز ، لأن الحرج الضيق ، والجمع بينهما تأكيد ، والآية نصت أن الإيمان والضلال بمشيئة الله ، وكسر رائه قراءة نافع وعاصم من رواية أبى بكر عنه ، وقرأه الباقون بفتحها مصدراً أخبر به عن الجثة المبالغة كأنه نفس الضيق ، أو بتقدير مضاف ، أى إذا حرج أو بمعنى الوصف ، وقيل المفتوح والمكسور كلاهما وصف ، والأظهر ما ذكرته ، وحرجاً مفعول ثان بعد مفعول ثان ، ومن أجاز وصف الصفة أجاز كونه نعتاً لضيقاً .

٢٬١٤٢ / ٧٬٦٨٠