هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

119

الجزء ٥ · صفحة ١٣٢

﴿ ومَا لكُم ألاَّ تأكلُوا ممَّا ذُكر اسْم اللهِ عليهِ ﴾ فإن المتحرجين عما ذبح باسم الله هم المشركون لا المؤمنون ، أى أى شئ لكم من النفع أو الديانة الصحيحة فى أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ، بأن ذبح مثلا ، وذكر اسم الله ، اللهم إلا أن يقال : المعنى وما لكم أيها المؤمنون ألا تقصروا أكلكم على ما ذكر اسم الله عليه ، ولا تخلطوا معه أكل ما لم يذكر اسم الله عليه ، فإن مثل هذا قد يقال لمن لا يخلط معه ، لكن أؤكد عليه بترك الخلط أو عرض بغيرهم كقوله : ﴿ وما لى لا أعبد الذى فطرنى ﴾ وما مبتدأ استفهامية إنكارية وأن لا تأكلوا على تقدير الجار كما رأيت ، وهذا أولى مما قيل : إن زائدة للتأكيد ناصبة ، والجملة بعدها حال من الكاف ، ولا يقدر الجار ، ويدل لهذا الوجه الذى هو أن المعنى ما لكم أيها المؤمنون ألا تقصروا أكلكم على ما ذكر اسم الله عليه قوله :

﴿ وقَد فصَّل لكُم ما حرَّم عَليْكم ﴾ أى كيف لا تقصرون الأكل على ما ذكر عليه اسم الله ، وتتركون ما حرم عليكم ، وقد بينه الله لكم فلا عذر فى ترك الاقتصار ، وأما على أن الخطاب فى ذلك كله للمشركين ، فالمعنى كيف تتحرجون مما ذكر اسم الله عليه ، وهو غير محرم ، والمحرم هو ما فصَّل الله لكم تحريمه بقوله : ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ الخ فى المائدة ، أو قوله فى الأنعام : ﴿ قل لا أجد فيما أوحى إلىَّ محرماً ﴾ الخ نفى أن يقال كيف قال ، وقد فصل ، وهو عند قراءة الآية التى هنا لم يفصل ، بل سيفصل بعد فى هذه السورة بقوله : ﴿ قل لا أجد ﴾ الخ أو سيفصل بعد الهجرة فى المائدة إذ هى مدنية من آخر ما نزل ، فيجاب والله أعلم بأن المعنى قد فصل لكم فى اللوح المحفوظ ، أو فى الغيب غنده ، أو فيما سينزل من القرآن ما حرم عليكم فى ذلك أيضان فلا يحل لكم أن تحرموا من عندكم شيئا أحلوا ما أحل الله ، وانتظروا ما ينزل الله من الأحكام مطلقا ، فمهما وجدتم فيها فاعملوا به .

أو يجاب بأن المعنى قد فصَّل لكم فى آخر هذه السورة ما حرم عليكم ، فالسورة مضت وتمت عند الله ولو قبل نزولها ، فصحت صيغة الماضى ، وهذان الجوابان أحسن ما استخرجته بفكرى والماضى فيهما على أصله ، وظهر لى وجه ثالث هو أن فصَّل بمعنى يفصل ، أى وقد يفصل بعد عليكم ، فالماضى بمعنى المضارع ، وهذا وجه ثالث لى .

ووجه رابع أن الآية يحتمل أنها نزلت بعد نزول المائدة ، وجعلت فى الأنعام بأمر الله ، وأما ما فى تفسير من تقدم قبلى ، فقال الفخر : المراد التفصيل لما حرم بقوله : ﴿ لا أجد ﴾ لقلة هذا التأخير ، وهو مقدار تلاوة ما بين الآيتين ، وتلاوة الأخيرة وإتمام السورة ومضيتها قبل نزول جبريل بها ، وهذا والحمد لله بعض الأوجه التى ذكرت ، لكن باعتبار قوله : وإتمام الخ ، وقد حكيت كلامه بالمعنى .

٢٬١٣٢ / ٧٬٦٨٠