109
الجزء ٥ · صفحة ١١٧﴿ وأقْسمُوا باللهِ جَهْد أيمانِهِم ﴾ أوكدها ، وهو أن يحلفوا بالله كما قال الكلبى ومقاتل ، تقدم إعرابه فى المائدة والضمير لكفار قريش .
﴿ لئنْ جاءتْهُم آيةٌ ﴾ تدرك بالحواس وتشابه آيات الأمم السابقة كالمائدة والناقة ، وحضور ملائكة يشهدون ، وإحياء ميت كذلك ، فالتنكير للتعظيم ، استحقروا ما جاءهم به من الآيات ، أو للوحدة زعموا إنما جاءهم به ليس آيات .
﴿ ليُؤْمننَّ بها ﴾ يصدقن بها ، قال مشركو قريش : إنك يا محمد تخبرنا بمعجزات موسى وعيسى وغيرهما ، فلو جئت بمثل ما جاءوا لصدقناك ، فقال A : « ما شئتم » فقالوا : صير لنا الصفا ذهباً ، وأحيى بعض موتانا الأولين ، وأحضر بعض الملائكة ، فيخبرنا من أحييت ومن حضر الملائكة أنك على حق ، قال : « إن فعلت أفتصدقون؟ » قالوا : نعم ، والله لنتبعنك أجمعون ، فسأل رسول الله A الله أن يفعل ذلك ، فقام رسول الله A يدعو أن يدعل الصفا ذهباً ، فجاءه جبريل فقال : ما شئت إن شئت أصبح ذهباً ، فإن لم يصدقوك عذبهم الله عن آخرهم كما فعل بالأمم المقترحة ، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم ، فقال A : « بل يتوب تائبهم » فنزل : ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمن بها ﴾ .
﴿ قُلْ إنما الآيات عِنْد الله ﴾ لا عندى ، فهو الذى يجئ بها إذا شاء ، فهو القادر عليها ، ولا قدرة لى عليها ، فكيف تطلبون أن أجئ بها على اقتراحكم ، كأنها مفوضة إلىَّ ، وإنما ينزلها الله على مقتضى الحكمة ، والآية قابلة لهذا التفسير الذى عمت فائدته ، وهو أولى ، وجعل ذلك فى الكشاف وجهين :
الأول : أن الله قادر عليها ، لكن لا ينزلها إلى على موجب الحكمة يعنى فكيف أجيئكم بها؟ ولا حكمة فى المجئ بها ، فلا تتيسر ، إذ لو كانت الحكمة فيها لجاءت ولو بلا سؤال منكم ، ولا دعاء منى .
الثانيى : إنما الآية عند الله لا عندى ، فكيف أجئ بما ليس عندى .
﴿ وما يُشْعركم أنها إذا جَاءت لا يُؤْمنُونَ ﴾ الاستفهام إنكار وتوبيخ ، أى لستم تدرون أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها ، ولو دريتم أنهم لا يؤمنون بها لم تتمنوا أن تجئ؟ لأنكم تتمنون أن يجئ ليؤمنوا ، وقد علمتم أن الأمم المقترحة تهلك إذا كذبت ، هذا ما ظهر ، والخطاب للمؤمنين ، وهو قول الفراء والجمهور ، وما ذكرته من تفسير ما الاستفهامية بالنفى لا يلزم منه بقاء الفعل بلا فاعل ، كما قد يتوهم فإنك تقول لمن يدعى : إن للرجل أقام من قام ، تريد أنه إن قام رجل فأخبرنى به من هو ، ولا قائم يخبرنى به .
والحاصل أنه كما لا يبقى الفعل بلا فاعل إذا جعلت للاستفهام لا يبقى بلا فاعل إذا جعلت للنفى ، وداعيك لذلك أنك تراها كحرف النفى فقط ، فلا يبقى مرجع لضمير يشعر إليها ، ويلزمك أن تقول : إنها إذا كانت للاستفهام أيضا كانت كالهمزة فقط ، فلا يبقى مرجع ، وليس كذلك ، بل معانى الحروف التى تتضمنها الأسماء معان زائدة على معانى الذوات المدلول عليها بتلك الأسماء ، فمدلول ما مثلا مطلق الشئ ، وزيد عليه معنى المهمزة الاستفهامية ، ولم أر أحداص توهم ذلك التوهم ، بل رأيت بعضاً قال : ما ليست استفهامية ، بل حرف نفى ، فحينئذ يتكلف للفعل فاعل ققيل : هو ضمير عائد إلى الله تعالى ، والأصل ترك التكليف ولا سيما ما يعد منه ، بل لا يصح هذا ، لأن الله قد أعلمه بأن المشركين لا يؤمنون ، وهذا إنما يصح فى مخصوصين من الكفار .