هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

136

الجزء ٥ · صفحة ١٥٨

﴿ وجَعَلوا ﴾ أى مشركو العرب من قريش وغيرهم ﴿ للهِ ممَّا ذَرَأ ﴾ خلق ﴿ مِنَ الحَرْث ﴾ أى من ثمار الحرث فحذف المضاف ، والحرث مصدر ، وإضافة الثمار إلى الحرث تصح ، لأن الحرث سببها وملزومها وآلتها ، أو بمعنى البذر المحروث ، وإضافة الثمار إليه لأنه أصله وآلته ، أو بمعنى ما نبت من الأوراق والأغصان ، أضاف الثمار إليه لأنها منه ، وأنه آلة لها ، ويدل لهذا الوجه الأخير ما روى أن أهل الجاهلية كانوا يقسمون الحرث وهو قائم على سوقه ويقولون : ما ردت الخطة داخلا لأصنامهم ، وما ردت خارجا لله تعالى ، ففى هذه الرواية لا يحتاج لتقدير مضاف ، لأنهم يجعلون النصيب من النبات كله ، فما فيه من الثمار فهو لله ، وما فى النصيب الآخر للأصنام ، ويجوز أن يكون الحرث بمعنى الثمار بشئ يسببه أو أصله ، فإذا كان بأصله فمجاز مركب ، لأن الحرث بمعنى الورق والأغصان مجاز أول ، ثم بمعنى الثمار مجاز ثان ، ولم يقل : وجعلوا لله من الحرث والأنعام ، بل قال : ﴿ مما ذرأ من الحرث والأنعام ﴾ ليكون أزيد فى تقبيح فعلهم إذ عمدوا إلى شئ خلقه ، فجعلوا منه نصيبا يتقربون به إلى ما لا ينفع ولا يضر وهو الأصنام .

﴿ والأنْعام ﴾ الغنم والبقر والإبل أنفسها وما تنتج ﴿ نَصيباً ﴾ وليسوا يقولون يأكون حاشاه ، ولكن يتصدقون به على الفقراء والضعيف ، ويقطعون منه فى النائبة ويغيثون منه الملهوف ، فهذا فى نفسه ليس معيبا ، والمعيب إنما هو رجوعهم به إلى نصيب الأصنام ، إذا احتاجوا أن يردوه إليه ، وأكلهم إياه إذا احتاجوا إليه فى مجاعة ، وعيب عليهم فى الآية شيئان : جعل نصيب للأصنام ، ووصول ما كان لله تعالى إلى نصيب أصنامهم ، عاب عليهم ذلك بعد ما عاب عليهم إنكار البعث ، وغير إنكارهم من القبائح ، وفى الكلام حذف تقديره : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ، وجعلوا لشركائهم نصيبا أو لشركائهم نصيبا ، ودل عليه قوله بعد : ﴿ هذا لشركائنا ﴾ وذكر الرواة أيضا أنهم يجعلون نصيبا لله ونصيبا لشركائهم من سائر مالهم أيضا غير الحرث والأنعام .

﴿ فقالُوا هذا ﴾ أى هذا النصيب ﴿ للهِ بزَعْمهم ﴾ بكلامهم الكاذب ، أو كلامهم الفاسد لا وجه كذبه أنه نصيب لله فيما قالوا ، ثم إنهم يعطون منه فى الأصنام ويأكلون منه ، ووجه فساده ذلك أيضا مع أنه مقابل لنصيب الأصنام ، وهذه المقابلة إشراك ، وبزعمهم متعلق بقالوا ، وقرأ الكسائى بضم الزاى وفيه لغة ثالثة لم يقرأ بها أحد وهو كسر الزاى .

﴿ وهَذا لشُركائِنا ﴾ أى وهذا النصيب الآخر لشركائنا ، أى للأصنام التى هى شركاؤنا فى أموالنا ، فالشركاء شركاء المال لا شركاء عبادة الله ، فهو من الشركة ، وفيه وجهان :

أحدهما : أن تعتبر أنهم أشركوا الأصنام لأنفسهم ، أى وهذا للأصنام الذين أشركناهم ، فنا فاعل من حيث المعنى .

٢٬١٥٨ / ٧٬٦٨٠