هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

140

الجزء ٥ · صفحة ١٦٧

﴿ قَد خَسر الَّذينَ قَتَلُوا ﴾ وقرأ ابن كثير وابن عامر بتشديد التاء للتكثير ، لأن الموءودات كثيرات لا للتعظيم ، لأن القتل لا يتفاوت ، اللهم إلا أن يعتبر بما زاد تعذيباً ولا يحتمل الحياة ﴿ أولادَهُم سَفهاً بغَيْر علمٍ ﴾ سفهاً مفعول مطلق لخسر ، لأن السفه خسران ، أو لمحذوف أى سفهوا سفها ، والجملة بدل من الأولى بدل مطابق ، أو سفها مفعول لأجله ناصبه خسر ، أو حال أى ذوى سفه أو سفهاء أو هم سفهاء مبالغة ، ويدل للحال قراءة بعضهم سفهاء جمع سفيه ، وبغير علم نعت سفهاء ، والسفه خفة العقل والجهل ، ويجوز إطلاقه على الخسران ، لأن الخفة والجهل سبب للخسران ، والمراد الذين يقتلون بناتهم مخافة أن لا تزوج فى التزوج إن كانت ذميمة ، أو مخافة الفقر والسبى أو الغيرة بشئ تأتيه ، وربما أخذت أحدهم الغيرة أن توطأ ابنته .

والمذكور فى القرآن القتل خوف لقوله تعالى : ﴿ من إملاق ﴾ وصفهم الله بالخسران إذ خسروا الجنة ، وخسروا أولادهم ، وهم نعمة من الله لهم فى النفع ، وزيادة العدد ، وصفهم بالسفه إذ جهلوا لأنهم آكلون للرزق لا رازقون ، فرزقهم وزرقهن عند الله ، وكان قتل البنات فى ربيعة ومضر ، وجمهور العرب لا يفعلون ذلك ، وقيل فى ربيعة ومضر وبعض العرب ، وكان أيضا فى بعض غير العرب ، وكانوا يقتلونهن بالدفن وبالإلقاء فى بئر بعيدة القعر ، وقد تفعل المرأة ذلك بقهر زوجها لها على ذلك بالظهار ، وذلك عندما تلدها ، وظل وجهه مسوداً ، تلدها مثلا فى العدو ، فيقول لزوجته الوالدة لها : انت علىَّ كظهر أمى إن رجعت فى الزواج ولم تئديها ، فتحفر لها حفرة فترسل إلى نسائها فيجتمعن عندها ، ثم يتداولنها بينهن ، فإذا أبصرنه راجعا دستها فى حفرتها وسوت عليها التراب .

وروى أنه كن رجل من أصحاب رسول الله A لا يزال مغتما بين يديه ، فقال A « مالك تكون مخزونا؟ » فقال : يا رسول الله إنى قد أذنبت ذنباً فأخاف أن لا يغفر لى وإن أسلمت ، فقال رسول الله A : « أخبرنى عن ذنبك » فقال : يا رسول الله إنى كنت من الذين يقتلون بناتهم ، فولدت لى بنت فشفعت إلىَّ امرأتى أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت وصارت من أجمل النساء ، فخطبوها فدخلت على الحمية فلم يحملنى قلبى على أن أزوجها أو أتركها فى البيت بلا زوج ، فقلت للمرأة : إنى أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا فى زيارة أقاربى فابعثيها معى ، فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلى ، وأخذت علىَّ المواثيق بأن لا أخونها ، فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرت فى البئر ففطنت الجارية أنى أريد أن ألقيها فى البئر ، فالتزمتنى ، يعنى التصقت بى تضرعاً كالمصافح المعانق ، وجعلت تبكى وتقول : يا أبتى أى شئ تريد أن تفعل بى ، فرحمتها ثم نظرت فى البئر فدخلت على الحمية فالتمزتنى وجعلت تقول : يا أبتى لا تضيع أمانة أمى ، فجعلتُ مرة أنظر إلى البئر ، ومرة أنظر إليها فأرحمها ، فغلبنى الشيطان فأخذتها فألقيتها فى البئر منكوسة وهى تنادى فى البئر يا أبى قتلتنى ، فمكثت هناك حتى انقطع صوتها ، فرجعت ، فبكى رسول الله A وأصحابه وقال :

٢٬١٦٧ / ٧٬٦٨٠