هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

48

الجزء ١ · صفحة ٢٩٧

﴿ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنهَا عَدْلٌ ﴾ : الضميران للنفس الأولى لأنها المحدث عنها المسوق لها الكلام المذكورة على سبيل العمدة ، لأنها فاعل تجزى بخلاف الثانية فإنها فضلة ، أى لا يقبل من نفس شفاعتها للنفس الأخرى العاصية ، فلا تدفع عنها العذاب بشفاعتها لو شفعت ، ولا يؤخذ منها ما يكون عدلا للنفس العاصية وبدلا منها لو كان بدلها الذى تنفع فتنجى به موجوداً فكيف وهو لا يوجد . وقال الحسن : العدل الإيمان ، أى لا ضد الجور ، أو لأنهُ يجعل عديلا للنفس فلا يقبل ، وكذا كان يفسر الفدية بالإيمان ، فهم يؤمنون ولا يقبل عنهم وأما أن يجزى أحد عن أحد بأداء ما كان عليه فقد نفاه بقوله : ﴿ لا تجزى نفس عن نفس شيئاً ﴾ ، وأما أن ينجى أحد أحداً بالنصر والقهر فمذكور نفيه فى قوله :

﴿ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ : من عذاب الله ، وفى آيات أخر مثل قوله : ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ وأما أن يمن الله بالعفو فليس الكافر أهلا لذلك ، ويجوز عود الضمير فى قوله : ﴿ لا يقبل منها ﴾ وقوله : ﴿ لا يؤخذ منها ﴾ للنفس الثانية العاصية ، أى لا يقبل منها الشفاعة التى تأتى بها يشفعها فيها غيرها ، ولا يؤخذ منها الشىء الذى تأتى به عدلا لها ومساوياً تعوضه عن نفسها لتنجو . وهذا الوجه يناسبه قوله : ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ فإن الضمير فيه للنفوس العاصية لا غير ، مع قوله : ﴿ ولا يؤخذ منها ﴾ أنسب بالعاصية أيضاً ، ويجوز عود الضمير فى قوله : ﴿ لا يقبل ﴾ للنفس الأولى ، فإنه أنسب بها وفى قوله : ﴿ ولا يؤخذ منها ﴾ للثانية العاصية ، وأجاز بعضهم عود الضمير فى : ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ للنفسين ، وهو ضعيف لاختصاصه بكون النفسين مشركتين أو فاسقتين أو فاسقة ومشركة ، لكن له وجه هو أ ، يكون المعنى أن الأخلاء على المعصية مع حب بعضهم لبعض فى الدنيا لا ينصر بعضهم بعضاً ، ولا ينصرهم المؤمنون والأولى إبقاء النفس على عمومها فى المطيع والعاصى ، وعود الضمير : ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ للعصاة كما مر ، وإنما عاد الضمير الجمع المذكور للواحد المؤنث وهو النفس الثانية العاصية ، لأن المراد بها الناس والعباد ، فهى بمعنى جماعة الذكور ، وإنما كانت بمعنى الجماعة لأنها نكرة فى سياق النفى ، وإن قلت : فهل الشفاعة والفداء بالعدل واقعان ولكن لا يقبلان أم غير واقعين؟ قلت : غير واقعين أما من تأهل للشفاعة من الملائكة والأنبياء والعلماء الصالحين فلا يتعرضون بها لمن ظهرت شقاوته لهم ، فإن تعرضوا بها لهم قبل أن تظهر لهم قيل لهم أنهم بدلوا وغيروا وليسوا أهلا لها فيتركوا التعرض لها ، وأما من لم يتأهل لها فمشغول بنفسه لا يدرى ما يفعل به ، أو حضر له أنه من أهل الجنة ، ولم يبلغ أن يشفع لغيره ، وأما الفداء فليس هناك ما يفدى به أحد نفسه ولا غيره ، فكأنه قيل لا يقبل منها شفاعة لو كانت شفاعة مستمرة ، فكيف لا تكون شفاعة أصلا ، ومتى صدرت شفاعة منها ثم علمت أن المشفوع له غير متأهل تركتها ولم تستمر على طلبها ، ولا يقبل منها عدل لو كان فكيف وهو لا يكون ، وقد بانت لك أوجه القسمة العقلية المذكورة فى الآية وغيرها ، وهى إما أن يقضى أحد عن أحد حقاً واجباً ، وإما أن يشفع له ، وإما أن ينجيه بمماثله ، وإما أن ينصره فينجيه بالقهر بلا عوض ، وإما أن يعفو صاحب الحق وهو الله تعالى والمظلوم ، وكل ذلك غير واقع ، ولك حمل الآية على القسمة التي يذكر أصحاب علم المعانى مثلها وهى التي فيمن سعى إلى سعى بيانه أن النفس مشغولة بشأنها فلا تقضى واجب الحقوق عن النفس الأخرى ، ولا تقدر على ذلك ، ثم لو قدرت على شفاعة لأن الشفاعة بلا قضاء لم تقبل منها ، ثم لو أمكن أن يوجد فداء بنفس أخرى لم يؤخذ منها ، ولو سعت بالقهر لم تتمكن منه .

٢٩٧ / ٧٬٦٨٠