55
الجزء ١ · صفحة ٣١٧واضطرب إيمانهم وامتحنهم الله تعالى بذلك ، فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، ومن ادعى أن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ وأذهب فضيلة موسى واختصاصه بالتكليم . وقيل : إن الله سبحانه وتعالى أمر موسى أن يأتيه فى ناس من بنى إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ، واختار موسى من قومه سبعين رجلا من خيارهم ، وقال لهم : صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم ففعلوا ، وخرج بهم موسى إلى طور سيناء لميقات ربه ، فقالوا لموسى : أطلب لنا أن نسمع كلام ربنا؟ قال : أفعل . فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود الغمام وتغشى الجبل كله فدخل موسى فى الغمام . وقال للقوم : ادنوا فدنوا حتى دخلت تحت الغمام وخروا سجداً ، وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد أن ينظر إليه فضرب دونهم الحجاب ، وسمعوا الكلام لموسى يأمر وينهى ، وأسمعهم الله أنى أنا الله لا إله إلا أنا أجرتكم من أرض مصر بيد شديدة فاعبدونى ولا تعبدوا غيرى . فلما فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم فقالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، وروى أنهم قالوا أعنى السبعين : كنا أصحابك ولم نختلف ولم نصنع الذى صنع قومنا ، فأرنا الله جهرة كما رأيته أنت . ظنوا أنه رآه ، فقال لهم موسى : ما رأيته ولكن سالته أن أنظر إليه بالمجاهرة كما سألتم فتجلى للجبل فصار دكا ، وخررت صعقاً فلما أفقت سألت الله واعترفت بالخطيئة . فقالوا : ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ وهذه الرواية تقتضى أن موسى بجير الرؤية قبل ذلك فنهاهم عن ذلك وحرمه ، أو سكت انتظاراً للوحى فى ذلك ، فلما فرغ وخرج عاودوه ذكر ذلك . فقال لهم : قد سألته على لسانك كما تحبون لأخبركم بالجواب الذى يقمعكم لا لجواز الرؤية ، فتجلى للجبل بعض آياته فصار دكا فكفروا بطلب الرؤية لاستلزامها اللون والتركيب ، والتحيز والحدود والحلول ، والعجز عن الاستقلال ، وعما بعد عن الحل كل العجز أو بعضه ، والجهل به كل الجهل أو بعضه ، وذلك كله يستلزم الحدوث وذلك كله محال عن الله ، وإذا كان ذلك مستلزماً عقلا لم يختلف ديناً وأخرى ، فالرؤية محل دنيا وأخرى ، ولا بالإيمان والكفر والنبوة وعدمها ، وكفروا أيضاً بتحريف كلام الله الذى سمعوه حينئذ ، كما قال الله سبحانهُ وتعالى لسيدنا محمد A والمسلمين فتطمعون أن يؤمنوا لكم ، وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ، وقال الحسن : هو ما حرفوه من كتاب الله ، ونزل فى قطع عذرهم بطلب الرؤية جهرة .
﴿ فأَخَذتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ﴾ : فإن هذه الفاء سببية أى أخذتكم الصاعقة بسبب طلبكم الرؤية جهرة أو بسبب هذا الطلب ، وسبب تأخير الإيمان إلى أن يحصل هذا المطلوب لا بسبب هذا التأخير فقط بدليل قوله تعالى :