71
الجزء ٨ · صفحة ١٥٥فلما انقطع بكاؤه فقال : يا هؤلاء ما يبكيكم؟
قالوا : لا ندرى لكن رأيناك تبكى .
قال : آية نزلت يُنبئ فيها ربى أنى وارد النار ولم ينبئ أنى خارج .
وفى رواية : ولم ينبئ أنى صادر عنها . فلا دليل فيها على أن الورود الدخول لإمكان إرادته أن يبكى من حضوره حولها أو عدم علمه أنه ينجو أم لا .
واحتج أيضاً الذين فسروا بها الدخول بقوله تعالى : ﴿ فأوردهم النار ﴾ قال أبو القاسم البرادى : ولا حجة لهم فيه لأنه يلزم أن يكون فرعون هو الذى أدخل قومه النار .
قلت للخصم : إن يَلزم أنه أدخلهم فإنه أضلهم ، فهو سبب فى دخولهم .
واحتجوا أيضا بقوله تعالى : ﴿ ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ﴾ .
قال أبو القاسم : وهذا أيضا ساقط؛ فإن مجرور « فى » يصلح أن يكون ضميرا لعرصة القيامة أى أما كنها . والقنطرة : الجسر .
قلت : وهذا من أبى القاسم فى هذا المقام إثبات للجسر الذى على النار الذى يقول قومنا : إنه أدق من الشعرة وأمضى من السيف ولا ضير فى ذلك ولو ادعى بعض الأصحاب شرك القائل به أو نفاقه وأنه ليس منا ، وفى الشيخ هود مثله كما يأتى - إن شاء الله .
واستدل أبو القاسم على أن الورود غير الدخول بقوله سبحانه وتعالى : ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مُبعدون لا يسمعون حسيسها ﴾ ، وقوله جل وعلا : ﴿ ربنا إنك مَن تُدْخِلِ النار فقد أخزيته ﴾ والمؤمن لا يخزى .
قلت : وللخصم أن يقول : المراد مُبعدون عن أن يعذبوا بها لا عن دخولها ، كما أحضروا حولها ولم يبعدوا عن الحضرو ، فليسوا يدخلونها يعذبون بها ويسمعون حسيسها وهم فى العذاب .
وأما دخول النار بلا عذاب فليس يجزى ، ولا يحكم على مَن قال بأن الورود هو الدخول بالكفر ، ولا بالمعصية ، بل روى الربيع عن أبى عبيدة عن جابر عن أبى هريرة عن رسول الله A : « لا يموت لأحد ثلاثةٌ من البنين فتمسَّه النار إلا تحَّلةَ القسم » فهما نص فى أن الورود دخول .
وفى تفسير الشيخ هود C : إذا كان يوم القيامة قال الجبار : ﴿ لمن المُلك اليومَ ﴾ فلا مُجيب فيقول : ﴿ لله الواحد القهار اليومَ تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب ﴾ ثم يأتى عنق من النار يسمع وينظر ويتكلم ، فيشرف عليهم فيقول : وُكِّلتُ بثلاثة : من ادعى مع الله إلهاً آخر ، ومن ادعى أن الله والد ، ومن ادعى لنفسه الربوبية ، فتلقطهم التقاط الحمام للسمسم ثم تغوص بهم فتعود وتقول : إنى وُكِّلأ بثلاثة : بمن سبَّ الله ، وبمن كذب على الله ، وبمن آذى الله فهمن سبه فهو الذى قال : إن الله اتخذ صاحبه والكاذب : منكر البعث ﴿ وأقسموا بالله جَهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ﴾ والذين آذوا : هم المصورون فتلقطهم كذلك .