35
الجزء ٨ · صفحة ٣٥٨﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ ولا يبقى إلا الحى الدائم . والذوق عبارة عن مقدمات الموت ، أى ذائقة مرارة الموت . وفى ذلك موعظة بليغة .
وكان الثورى إذا ذكر الموت لا يُنتفع به أياما . وكثرة ذكره تردُّ عن المعاصى ، وتلين القلب القاسى .
قال الحسن : ما رأيت عاقلا قط إلا وجدته حَذِرًا من الموت ، حزينا من أجله وطول الأمل بكسل عن العمل ، ويورث التوانى ، ويُميل إلى الهوى . وهذا مشاهد بالعيان ، لا يحتاج إلى بيان ، يطالَب صاحبه ببرهان .
ولما دنا الموت من معاوية قال : الموت لا مَنْجَى من الموت . والذى يحاذَر بعد الموت أدهى وأفظع . ثم قال : اللهم أَقِل العَثرة ، واعف عن الزَّلة وعد على مَن لم يرج غيرك ، ولا يثق إلا بك ، فإنك واسع المغفرة ، وليس لذى خطيئة مهرب منك .
وقيل لأعرابى : إنك تموت .
فقال : إلى أين يُذهب بى؟
قالوا : إلى الله تعالى .
قال : ما أكره أن أذهب إلى مَن لا أرى الخير إلا منه .
وأوصى علىّ أبا ذر - رضى الله عنه - : زُر القبور ، وتذكر بها الآخرة ، ولا تزرها بالليل ، واغسل الموتى ، وصلِّ على الجنائز ، لعل ذلك يحزنك ، فإن الحزين فى ظل الله .
ودخل ملَك الموت على داود فقال : مَن أنت؟
قال : الذى لا يهاب الملوك ولا تمنع منه القصور ولا يقبل الرشا .
قال : فأنت إذًا ملَك الموت ، ولم أتسعد بعدُ .
قال : يا داود أين جارك فلان ، وابن فلان قريبك؟
قال : ماتا .
قال : أما كان فيهما عبرة لتستعد!
وأجمعت الأمة أن الموت ليس له زمان معلوم ولا مرض معلوم فليكن المرء على أُهبة من ذلك .
فبينما حسان جالس وفى حجره صبى يطعمه الزبد بالعسل إذ شرق الصبى بهما فمات فقال :
اعمل وأنت صحيح مطلق فرِح … ما دمت - ويحك يا مغرور - فى مهَل
ترجو حياةَ صحيحٍ ربما كمنتْ … له المنية بين الزبد والعسل
وسمع أبو الدرداء رجلا يقول فى جنازة : مَن هذا؟
قال : أنت فإن كرهت فأنا .
وكان يزيد الرفاشى يقول : أخبرونى مَن كان الموت موعده ، والقبر بيته . والثرى مسكنه ، والدود أنيسه ، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر ، كيف يكون حالهَ! ثم يبكى حتى يغشى عليه .
﴿ وَنَبْلُوكُمْ ﴾ نعاملكم معاملة المختبر ﴿ بِالشَّرِّ ﴾ ما تكرهه النفس ، كالفقر والذل .
﴿ وَالْخَيْرِ ﴾ كالغنى والعز ، هل تصبرون وتشكرون أم لا؟
وقدم الشر لأن العرب كما تقدم الخير تقدم الشر وذلك من عادتها ، ولأن الشر يتبادر إلى النفس أن الابتلاء به أشد .
﴿ فِتْنَةٌ ﴾ مفعول مطلق ، كقعدت جلوسا .
وقيل : مفعول لأجله . وفيه أن الشئ لا يعلل بنفسه إلا إن أريد بالفتنة والإيقاع فى الضر لا الاختبار .
﴿ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ للجزاء الذى هو المقصود بالابتلاء فى هذه الدنيا .