هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

30

الجزء ٨ · صفحة ٣٥٢

﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أوَ لم يعلموا . وقرأ ابن كثير بإِسقاط الواو . ﴿ أَنَّ السَّمَوَاتِ ﴾ أى هذه الجملة التى هى سموات ، ولذا قال : كانتا ولم يقل : كنَّ .

﴿ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا ﴾ ذاتَىْ رتقٍ ، أو مرتوقتين ، أو أخبر بالمصدر مبالغة . والرتق : الضم . كانت السمواتُ شيئا واحداً والأرض شيئا واحداً .

﴿ فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾ سمواتٍ وأرَضينَ ، أو كانت السموات متصلات ، كورقة على ورقة ، والأرضون كذلك ، فرفعت كل عن الأخرى ، أو كانت السموات ملقاة على الأرض ، فرفعت وفتقت ، أو كانت السموات والأرضون شيئًا ، ففتق سموات وأرضين ، وهو قول ابن عباس .

وعن كعب : كانتا ملتزقتين ، فخلق ريحًا بوسطها ففتحها .

وقيل : معنى كون السموات رتقا لا تمطر ، بناء على أن السموات كلها لها مدخل فى الإمطار ، أو المراد السماء الدنيا ، وجمعت باعتبار الآفاق . ومعنى كون الأرض رتقا لا تنبت ، ففتقهما بالإمطار والإنبات ، وهو قول الكلبى . ولم أبحث عن أصحاب الأقوال السابقة .

وعن الزجاج : السموات جمع أريد به الواحد ولذا قال : كانتا بناء على قول الكلبى ، وفتقت بعد الرفع قبل ويناسب قول الكلبى : وجعلنا من الماء كل شئ حى .

وقالت فرقة : كانتا رتقا بالظلمة ، ففتقهما بالضوء .

قيل : والرؤية على هذين القولين : قول الكلبى وقول الفرقة : رؤية عين .

قلت : لا تكون بالعين بل بالقلب ، فإنهم لم يكونوا موجودين فى حال كونهما ظَلْماوَيْنِ ، ولا فى حال كون السماء لا تمطر ، والأرض لا تنبت .

والمراد : ألم يعلموا أن الأمر قد كان كذلك؟

وإن قلت : من أين عَلِم الكفرة ذلك حتى قال : ﴿ أو لم ير الذين كفروا ﴾ ؟

قلت : ما قال ذلك إلا بُعيْد إنزال ما يعلمون عنه ذلك فى القرآن . والقرآن معجزة يوجب العلم ، أو بعد ما علموا ذلك من الكتب السابقة ، كالتوراة والإنجيل بواسطة علمائها ، أو قال ذلك لأن لهم نظراً يوصلهم إلى ذلك لو استعملوه؛ فإن العقل كون السموات والأرض متصلتين ، وكونهما منفصلتين ، فلا بد من كونهما على أحد الشقين ، وهو الانفصال من مختار مخصّص .

هذا . ولك أن تجعل الرؤية مطلقا رؤية بصر ، جُعل ذلك كأنه شئ محسوس لقوة الدلالة .

وقرئ رتقا ، بالفتح للراء والتاء معا ، أى شيئا مرتوقا كالرفض بمعنى المرفوض .

﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ كُلَّ شَئٍ حَىٍّ ﴾ الجعل بمعنى الخلق ، فله مفعول واحد أى خلقنا من الماء كل شئ حى .

معنى خلقه منه : أنه جعل الماء أعظم ما بنى عليه؛ فإنه مخلوق من النطفة . والنطفة إنما هى من ماء وطعام ، و الطعام إنما هو من الماء ، وبعد خلقه يحتاج إلى ما يتقوت به ، ولا قوت إلا من الماء ويحتاج إلى الماء نفسه للشرب وغيره ، احتياجا شديداً ، ولا يكاد يصبر عنه ، فكأَنه مخلوق منه بعينه لذلك ، ولكونه لا يحيى إلا به ، كقوله : ﴿ خُلق الإنسان من عجل ﴾ ودخل فى الشجر والنبات ، فإنها خلقت بالماء ، وبه تحيى .

٣٬٨٥٢ / ٧٬٦٨٠