هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

47

الجزء ٨ · صفحة ٣٧٠

﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ القسط : مصدر نعت به مبالغة ولذا أفرد كأنها لشدة قسطها نفس القسط ، أى العدل ، أو يقدر مضاف ، أى ذوات القسط ، أو يؤول بقاسطة ، بمعنى عادلة .

والحق عندنا - معشر الأباضية - أن وضع الموازين كناية من إثبات الحساب فى المكلفين ، وجزائهم على أعمالهم ، أى ببالغ والحساب مبالغة شديدة كما قال :

﴿ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ أى ظلمًا ، أو مفعول ثان لتظلم ، بمعنى تُنقَّص ، أو تمييز محول عن النائب على هذا المعنى ، أى لا يُنقص شئٌ نَفْس ، أى عملها ، أى لا يُنقص من حسناتها ، ولا من سيئاتها ، واللام ظرفية ، أى فى يوم القيامة قاله أبو حيان وابن هشام وعن بعض بأنها بمعنى عند .

وقيل : للتعليل ، على حذف مضاف ، أى لأجل يوم القيامة .

وقال الشنوانى : أو الجزاء يوم القيامة .

﴿ وَإِنْ كَانَ ﴾ تامة بمعنى حصل ﴿ مِثَالَ ﴾ زنة ﴿ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ﴾ ما يرى فى الشمس من الهباء ، أو بذر اللفت ونحوه .

وقرأ غير نافع بنصب مثقل على نقصان كان ، واسمها ضمير الفعل ، قبل : أو فى غير الظلم ، وهو ضعيف ، إن لم يكن باطلا .

﴿ أَتَيْنَا بِهَا ﴾ الباء للتعدية ، أى أحضرناها ، وضمير المؤنث للمثقل ، وإنما أنث لتأويله بالزنة ، أو لإصابته للمؤنث ، مع صحة الاستغناء عنه ، فإنه لو قيل : وإن كانت حبة من خردل ، لظهر المراد .

وقرأ ابن عباس ومجاهد آتينا بالمد ، أى أعطينا صاحبها ثوابها أو عقابها وعُدِّىَ بالياء ، لتضمنه معنى المجازاة ، أو هو بمعنى المؤاتاة ، فإنهم أتوا بالعمل ، وأتاهم بالجزاء .

وقرأ حميد أَثَبْنَا بِهَا ، من الثواب . وقرأ أُبىّ فجئنا بها .

﴿ وَكَفَى بِنَا ﴾ الباء صلة ، ون فاعل به .

﴿ حَاسِبِينَ ﴾ حال لا تمييز ، لضعف كون التمييز وصفًا . والمعنى : إن حسابنا كان فوق كل حساب؛ لكمال علمنا وحفظنا . وفى ذلك توغيب فى الحسنات وعُد عن السيئات قال A : لا تغتروا بالله ، فإنه لو كان مُغْفِلاً شيئًا لأغفل الذرة والبعوضة والخردلة .

فصل

مذهبنا - معشر الأباضية - كما مر - أن الميزان عبارة عن إثبات الحساب والجزاء ، وإظهار أن فعلك أيها المكلف كذا وكذا ، قد أوجب لك من الخير أو الشر كذا وكذا أصح . وإن شرَّك مغفور ، وخيرك مقبول .

وإن خيرك غير مقبول ، وشرك مؤاخذ به ، وذلك مذهب أكثر المعتزلة .

وقالت الأشعرية وغيرهم : إن الميزان عمود وكفتين ولسان ، وإن طول الدنيا وسعة كفتيه سعة السموات والأرض .

وروى أن داود - عليه السلام - سأل ربه أن يريه الميزان ، فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب . فلما رآه غُشى عليه ، ثم أفاق وقال : إلهى من الذى يقدر أن يملأ كفته حسنات؟

قال : يا داود إنى إذا رضيت عن عبدى ملأتها بتمرة .

٣٬٨٧٠ / ٧٬٦٨٠