44
الجزء ٨ · صفحة ٣٦٧﴿ بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاَء ﴾ الكفرة ، استدراجًا بالصحة ، وطول العمر ، والمال ، والنعم .
﴿ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ﴾ أى ظهر لهم طوله ، فاغتروا بذلك ، وظنوا أن لا يزول عنهم .
وقيل : المراد طال عليهم العمر بلا مجئ رسول إلى أن جاءهم محمد وبل فى ﴿ بل تأتيهم ﴾ لالنتقال إلى ما هو أعظم من عدم كفهم النار عن أنفسهم ، وهو كون وقت ذلك يأتى بغتة ، أو بلإضراب عما يتوهم من بعد ، أو امتناع الوقوع .
والإضراب فى قوله : ﴿ بل هم عن ذكر ﴾ الخ ، والإضراب فى قوله : ﴿ أم لهم ﴾ إلى آخره ، هما عن الأمر بالسؤال على الترتيب ، فإنه عن المعرض الغافل عن الشئ بعيد . وإنما يُسأل عن الشئ المقبل إلى ذلك الشئ العالم بحاله ، وعن المعتقد لنقيضه أبعد .
والإضراب فى ﴿ بل متعنا ﴾ هو عما توهموا ، أضرب عنه ببيان ما هو الداعى إلى حفظهم ، وهو الاستدراج ، أو أضرب عن الدلالة على بطلانه ، ببيان ما أوهمهم ذلك ، وهو أنه تعالى متَّعهم بذلك ، فتوهموا أنه بسبب ما هم عليه ، وهو أمل كاذب كما قال : ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ بتسليط المسلمين على أهلها الكفار ، يفتحها الله للنبى A وللمؤمنين ، ويزيل حكمهم منها ويطوى نشرهم .
والإتيان : الإرادة هنا والقصد ، كأنه قيل : نريدها بالنقصان . وننقص حال مقدرة . ولو قال : أفلا يرون أننا ننقص الأرض من أطرافها لصح ، لكن عبر بالإتيان تصويراً لما يحرى الله على أيدى المسلمين ، من أنهم يأتون أرض المشركين ، ويغزونهم ويغلبونهم ، أو كما يقول السلطان : قتلنا فى موضع كذا وكذا غالبين وإنما قتلت جنوده .
أو الأصل : يأتيها جنودنا ، فحذف المضاف فتاب المضاف إليه ، فجئ ينقص موافقًا له ، والأصل : ينقصونها .
﴿ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ لا بل الغالبون هم النبى A والمؤمنون بالقبر وموت رؤوس المشركين المستعجلين ، أفلا يصدقون بمحمد!!
وعن ابن عباس : نقْصها من أطرافها : إماتة فقهائها وعلمائها .
قيل : موت عالم أحب إلى إبليس من موت ألف عابد .
ومراد ابن عباس : الفقهاء والعلماء من الأمم السابقة يميتهم الله ، ويبقى الناس بلا دين ، ويطيل أعمارهم فى المعاصى ، وذلك استدراج شديد ، وهم المفرِّطون فى أخذ الدين ، حتى مات أهله . وليس ذلك ليكونوا غالبين ، بل ليموتوا كفرة على يد غالبهم ، وهو النبى A . والأول قول الحسن .
وروى عنه أن الله جل وعلا يبعث قبل القيامة ناراً تطرد الناس من أطراف الأرض إلى الشام ، تنزل إذا نزلوا ، وترحل إذا رحلوا ، وتقوم القيامة عليهم فى الشام ، وإن ذلك هو قوله : تنقصها من أطرافها . أفيظن المشركون أنهم يغلبون هذا الأمر ، ويمتنعون منه كأنه قال : أفلا يعلمون ذلك ، وإن لم يعلموا فليعلموا .