هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

85

الجزء ١ · صفحة ٤٠٥

﴿ أفتُؤْمِنون بِبَعْضِ الْكِتَاب ﴾ : المراد بالكتاب التوراة ، وبعضه الذى آمنوا به هو لزوم الفداء المفروض عليهم فيه .

﴿ وتَكْفُرُونَ ببعضِ ﴾ : هو تحريم القتال والإخراج من الديار والمعاونة فى ذلك بلا وجه شرعى .

﴿ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلكَ منْكُم إِلاّ خِزْىٌ فى الحَيَاة الدّنيا ﴾ : قال الكلبى : المراد بالخزى الإخراج من الديار والقتل أخرجت النضير وقتلت قريظة ، يا بن آدم كما تدين تدان ، وقال الحسن : الخزى الجزية ، ولعل ذلك منهما تمثيل ، والمراد يا يعم ذلك الجزية على غيرهم ، ولما أخرجت النضير سكنت أريحاء وأذرعات من أرض الشام ، وتلك الجزية هى أصل الجزية إلى آخر الدهرن ولفظ الخزى : الفضيحة والعقوبة ، فهو عام يحتمل على عمومه ، وأصله ذلك يستحى منه ، ولذلك فسره بعضهم هنا بغلبة العدو ، والحياة مصدر نائب عن اسم الزمان ، أى فى وقت الحياة التى هى دانية ، أى قريبة الزوال أو قريبة الأطراف ، فهى غير طويلة ، والدنيا مؤنثة لاسم تفضيل ، وهو الأدنى باق على الوصفية وباؤه عن واو أبدلت فرقاً بين الأسماء والصفات .

﴿ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ ﴾ : هو عذاب النار الدائم أو عذابها والحشر بحال قبيحة يستحيون منها ، والتشديد عليهم والتضييق فى المحشر والنداء على رءوس الأشهاد بقبائحهم ردوا إلى أشد العذاب ، لأن عصيانهم من أشد العصيان . وقرأ عاصم فى رواية المفاضل شذوذاً بالمثناة الفوقية .

﴿ وَمَا اللهُ بغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ : بالياء المثناة التحتية عند نافع وابن كثير وأبى بكر ، وقرأ الباقون بالفوقية قاله أبو عمرو الدانى : وقال القاضى قرأ بالتحتية نافع ويعقوب ، والباقون بالفوقية ، فالتحتية فى يردون ويعملون بالنظر إلى من فى قوله : من يفعل ، والفوقية على طريق الخطاب السابق فى الناقضين ، وإنما صدق واحداً وعلى طريق الالتفات إلى الخطاب عن الغيبة التى فى قوله : من يفعل ، والجملة تأ : يد للوعيد ، كأنه قيل إن الله سبحانه وتعالى لبالمرصاد لا يغفل عما تعملون ، فهو مجازيكم بكل ما فعلتم من صغير أو كبير ، والكلام فى ذلك كله لليهود فقط ، وإنما يدخل غيرهم بالمعنى فقط ، إذ كل مكلف كذلك ، ويحتمل أن يكون قوله : ﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ بالفوقية خطاباً لقريش ونحوهم ، أى لا يغفل عنكم كما لم يغفل عن اليهود ، وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنهُ قال : إن بنى إسرائيل قد مضوا وأنتم الذين تعنون بهذا يا أمة محمد ، يريد أن أمة محمد A مكلفون بذلك الذى كلف به بنو إسرائيل ، ومعاقبون إن توفوا كما عوقبت بنو إسرائيل حين لم يوفوا ، وليس مراده أن الآية خطاب لهذه الأمة ، وأول ما ظهر هذا العقاب الظهور الفاحش الشنيع بخراسان من المشرق ، وبالأندلس من المغرب ، شاع الجور والمعصية فعوقبوا بأيدى الروم . وفى الأثر عنه A من الحديث القدسى : « إذا عصانى من يعرفنى سلطت عليه من لا يعرفنى » وهذه المعرفة مراتب فانظر كيف سلط الله على الموحدين لما عصوه الروم ، وسلط المخالفين على الإباضية الوهبية وسلط عوام الإباضية الوهبية على خواصهم لما عصت الخواص .

٤٠٥ / ٧٬٦٨٠