93
الجزء ١ · صفحة ٤٢٢﴿ فى قُلُوبِهِمُ العِجْلَ ﴾ : أى حب العجل حتى عبدوه ، فحذف المضاف . أو حب عبادة العجل فحذف مضافان ، والعجل مفعول ثان لأشربوا ، والأول الواو لأنه نائب الفاعل تعدى لاثنين بالهمزة ، وحب العجل ليس مشروباً ولكن شبه دخوله قلوبهم ورسوخه بدخول الصبغ الثوب ، ودخول الشراب داخل البدن وامتزاجه به ، وبين ذلك بقوله : ﴿ فى قلوبهم ﴾ فإن محل المحبة القلب ، فهو بيان لمحل الإشراب ، كما أن قوله ﴿ فى بطونهم ﴾ بيان لمحل آكل النار فى قوله : ﴿ يأكلون فى بطونهم ناراً ﴾ ، وقيل المعنى أشربوا فى قلوبهم ماء العجل ، لأن موسى أمر أن يبرد العجل بالمبرد ويذر فى النار ، وأمرهم أن يشربوا منه فمن بقى فى قلبه شئ من حب العجل ظهرت سحالة الذهب على شاربه ، أو نبت الذهب فى شاربه ، قال الحسن : ليس كلهم تاب
﴿ بِكُفْرِهِم ﴾ : بسبب كفرهم أو مع كفرهم ، وكفرهم هو ما سبق من شرك أو كبيرة على اتخاذ العجل ، جر إليهم اتخاذه فإن المعصية تجر الأخرى ، ومن أصر عوقب بوقوعه فى ذنب آخر كما مر ، ويجوز أن يكون كفرهم هو اعتقادهم أن الذى يكون إلهاً جسم ، وأنه يحل فى الأماكن ولم يروا جسما حل فى موضع أعجب منهُ فاتخذوه إلهاً .
﴿ قُلْ ﴾ : يا محمد لهم .
﴿ بِئسَما يَأمُرُكُم بِهِ إِيمانُكُمْ ﴾ : بالتوراة .
﴿ إِنْ كُنتُمْ مُؤمِنِينَ ﴾ : بها كما زعمتم ، أى إن لم يكن إيمانكم بها الذى تزعمون إلا هذا الذى يأمركم بعبادة العجل ، فليس إيماناً هو ، لأن الإيمان والتوراة لا يأمران بعبادته ، ولو كان إيمان فى القلب لحجر بهم عن عبادة العجل والقبائح ، وذلك فى أسلافهم ، أى وكذلك أنتم لم تؤمنوا بالتوراة ، لأنكم كذبتم بمحمد A والإيمان بها لا يأمر بتكذيبه ، وذلك أيضاً رد عليهم فى قولهم : ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ ، فإن المؤمن الحق لا يقترف إلا ما يقتضيه إيمانه . وقوله : ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ تشكيك فى إيمانهم وقدح فى ادعائهم إياه ، ولما كان الإيمان بشئ سبب اقتراف ما يناسب ذلك الشئ وملزوماً له ، أسند الأمر فى قوله : ﴿ يأمركم ﴾ إلى : ﴿ إيمانهم ﴾ من الإسناد إلى السبب والملزوم ، وفى هذا الإسناد تهكم ، لأن الإيمان بالتوراة مثلا لو صح ، إنما يأمر ويدعو إلى عبادة ما هو غاية فى العلم والحكمة ، وهو الله مولانا جل وعلا وتبارك وتعالى ، فالإخبار بأن لهم إيماناً ، أى أمروا بعبادة العجل الذى هو غاية فى الجهل وعدم الفطنة ، ويضرب به المثل فى ذلك غاية التهكم والاستهزاء ، وتقدم أن الإسناد فى ذلك إلى السبب الملزوم ، ويحتمل أن يشبه الإيمان المنسوب إليهم بإنسان ، تشبيهاً غير صريح رمزاً إليه بلازم الإنسان وهو الأمر ، وفى تشبيه الإيمان إليهم تهكم أيضاً ، دلالة على أن مثل اعتقادهم ونطقهم لا يليق أن يسمى إيماناً إلا بالإضافة إليهم ، فإضافته إليهم مثل إضافة الرسول إلى المخاطبين فى قول فرعون : ﴿ إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون ﴾ فى مجرد التحقير والتهكم ، وإسناد الأمر إلى إيمانهم كإسناده إلى الصلاة فى قول قوم شعيب : { أصلاتك تأمرك .