102
الجزء ١ · صفحة ٤٥١﴿ لَمَن اشْتَرَاهُ ﴾ : أى اشترى السحر أو ما تتلو الشياطين ، والمعنى واحد ، والأول أقرب لقرب ذكر السحر بالنسبة إلى ذكر ما تتلوا ، ولقرب ضمائره ، والثانى أنسب بلفظ الاشتراء ، وكلاهما صحيح ، فإن المعنى لمن استبدل ما تتلوا الشياطين بما يتلى من كتاب الله ، والمراد بالاشتراء الاستبدال كما رأيت والاختيار ، وهو ملزوم الاشتراء . واللام فى لمن : لام الابتداء ، لا لام قسم كما قيل ، ومن مبتدأ وجملة قوله :
﴿ مَا لَهُ فى الآخِرَةِ مِنْ خَلاَق ﴾ : خبر المبتدأ والمبتدأ والخبر مفعولان لعلم علق عن نصب لظفهما إلى نصب محل مجموعهما بلام الابتداء ، والخلاق النصيب أو الجاه والقدر ، ولا يتعين الجاه والقدر هنا كما قال بعضهم : والآخرة يوم القيامة أى المدة الأبدية الآخرة أو الدار الآخرة وهى الجنة . قال الكلبى : ماله فى الآخرة نصيب من الجنة ، وله خبر وخلاق مبتدأ أو متعلق بمحذوف وجوبا وخلاق فاعله ، وفى تتعلق بله لنيابته عما يتعلق فيه أو بمحذوف حال من خلاق إذا جعلنا خلاق فاعلا .
﴿ وَلَبِئْسَ ﴾ : اللام للابتداء داخلة على الفعل الجامد لكونه كالاسم ، أو واقعة فى جواب قسم محذوف . ذكر الوجهين ابن هشام قولين مرجحا ثانيهما
﴿ مَا شَرَواْ بِهِ ﴾ : الهاء عائدة إلى ما ، وما واقعة على السحر قيل أو الكفر .
﴿ أَنْفُسَهُمْ ﴾ : باعوا به أنفسهم إذ سلموا أنفسهم للنار ، وأخذوا السحر عوضها أو تعلم السحر والمخصوص بالذنب محذوف ، أى تعلمهم إياه أو السحر أو الكفر ، وقد سبق كلام فى نحو ذلك ، وذكر الشيخ هود C : أن كل شئ فى القرآن شروا وشروه فهو بيع ، وكل شئ فيه اشتروه واشترى فهو الشراء إلا قوله : ﴿ بئس ما اشتروا به أنفسهم ﴾ فإنه يعنى به بئس ما باعوا به أنفسهم انتهى . وليس ذلك متعيناً بل ذلك كله محتمل فى مواضع .
﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ : حقيقة يصيرون بالسحر إليه من العذاب أو يعلمون قبحه على اليقين أو يتفكرون فى ذلك ، وجواب لو محذوف دل عليه ما سبق على معنى قولك ، ليس عندهم لو كانوا يعلمون ، أو محذوف هكذا أى ما تعلموه . قال الحسن : لو كانوا يعلمون علما حقيقاً علم الأتقياء والأبرار ما اختاروا السحر ، قيل الضمير فى يعلمون لليهود إجماعا ، والإجماع على هذا فرع الإجماع عليه فى علموا . وإن قلت : قوله : ﴿ لقد علموا ﴾ إثبات للعلم لهم على سبيل التأكيد ، وقوله لو كانوا يعلمون نفى له عنهم لأن لو امتناعية والامتناع نفى . قلت : لا منافاة ، لأن المعنى لقد علموا علماً عزيزيا ، وهو مجرد بالإدراك والفهم الظاهر ، وليس عندهم ما اشتروا به أنفسهم لو كان يعلمون العلم الحقيقى وهو المتتبع ما شروا به أنفسهم ول يتقنوا وحققوا ، أو المعنى لو كانوا يتفكرون كما مر ، أو المعنى لو كانوا يعملون بتقديم الميم على اللام ، فعبر عن عدم العمل بما وضع لعدم العلم ، فإن من لم يعمل بما علم كمن لم يعلم .