هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

126

الجزء ٢ · صفحة ٣٥

﴿ وإِذْ قَالَ إبراهيمُ ربِّ اجْعَل هذا ﴾ : أى هذا البلد ، وهذا المكان والمراد الحرم كله ، وقيل مكة .

﴿ بَلَداً آمِناً ﴾ : أى ذا أمن ، ففاعل للنسب كَلاَ بِن بمعنى ذا لين ، وتامر بمعنى صاحب تمر ، أو آمناً أهله بحذف المضاف ، فأجاب الله دعاءهُ فجعلهُ لا يسفك فهي دم إنسان فى الجاهلية ، والإسلام ، ولا يظلم فيه أحد ، ويمتنع الملتجئ إليه ، ولا ينفر صيده ، فضلا عن أن يقتل ولا يختل خلاه ، ولا يعضد شجره ، ويجوز أن يكون إسناد الأمر إليه من مجاز الإسناد من الإسناد إلى المكان ، كقولك مضجعه نائم ، ويشبه ذلك الإسناد إلى الزمان ، وكقوله نهاره صائم ، فالزمان والمكان كلاهما ظرف للأفعال ، وقيل المعنى آمناً من الجبابرة والعدو والمستأصل ، وممن يتملكه أو يتملك بينه ، وما قصده جبار إلا قصمه الله ، D ، كما فعل بأصحاب الفيل . وأما الحجاج ولو غزا مكة وخرب الكعبة ، لكن قصده نزع ابن الزبير من الخلافة ، ولما حصل قصده أعاد بناء الكعبة وشيدها ، وعظم حرمتها وأحسن إلى أهلها ، وبناؤها اليوم هو بناؤه باقياً . وتحريم مكة إنما هو من الله قبل إبراهيم لقوله ، A : « إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض » كما مر . وعن مجاهد : أن كتابا وجد عند المقام فيه : أنا الله ذو بكة ، منعتها يوم خلقت الشمس والقمر ، وحرمتها يوم ختلقت السموات والأرض ، وحففتها بسبعة أملاك ، وجعلت رزقها من ثلاث سبل مباركاً لأهلها فى الماء واللحم . ويتبادر أيضاً من قول إبراهيم : ﴿ ربَّنَا إنِّى أسكنتُ مِنْ ذُرِّيتى بوادٍ غَيْرِ ذِى زَرْع عِنْد بيتِك المُحرّم ﴾ أنها كانت محرمة قبل إبراهيم ، وهى محرمة قبل دعوته هذه قطعا ، وأما قوله ، A : « إن إبراهيم حرم مكة وإنى حرمت المدينة » فلا حجة فيه لمن قال كانت حلالا قبل إبراهيم وحرمت بدعوته ، لأن المراد بتحريم إبراهيم إياها تبليغه تحريم الله إياها ، كما مر تأويله ولم يؤمر غيره من الأنبياء بذلك ، ولكن منعها الله حتى أظهر ذلك على لسان رسوله إبراهيم ، أما أن يلهم الدعاء بتحريمها فأجابه الله بإظهاره وأما أن يكون قد علم بتحريمها فدعا الله أن يظهره على لسانه للناس .

﴿ وارزُق أهلَه منَ الثَّمرات ﴾ : من للتبعيض قائمة مع مجرورها مقام المفعول ، أو المفعول محذوف أى شيئاً من الثمرات ، أو هى مفعول مضاف دعا إبراهيم هذا لأنها ليست أرض زرع ولا ثمر ، فأجاب الله سبحانه وتعالى دعاءه فجعله حرماً آمناً تجبى إليه ثمرات كل شئ ، وجعل أرض الطائف أرض زرع وثمر ، ولم تكن كذلك قبل دعائه وهو قادر على إنباع الماء وإنبات الشجر ، والثمار حيث لم تكن . وروى أن الله ، تبارك وتعالى .

٥٣٥ / ٧٬٦٨٠