هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

125

الجزء ٢ · صفحة ٢٧

﴿ وإذْ جَعلْنا البَيْتَ ﴾ : الكعبة ، غلب لفظ البيت عليها كما غلب النجم على الثريثا ، والكتاب على القرآن فى مواضعه ، والكتاب أيضاً على كتاب سيبويه فى مواضعه .

﴿ مَثابةً للنَّاسِ ﴾ : أى مرجعا لهم يأتونه من كل جانب للحج ، رفيعهم ووضيعهم ، من ثاب يثوب بمعنى رجع بمثلثة ، كتاب يتوب بمثناة ، أو موضع ثواب لأن لهم ثواباً على قصد الحج أو عمرة وطواف ، وعلى كلا الوجهين هو اسم مكان ، وتأنيث أسماء المكان والزمان والمصدر الميميات يحفظ ولا يقاس عليه ، وإن قلت : كيف يصح الوجه الأول وهو التفسير بالمرجع ، فإنه لا يصدق بمن لم يأته قط ، ثم أتاه؟ قلت استعمالا للمقيد فى المطلق ، فإن أصل الرجوع الإتيان إلى الشئ بعد الانصراف عنه ، استعمل فى مطلق الإتيان . ولك وجه آخر هو أن المراد الإشعار بأن البيت رغبة للناس يأتونه ويرجعون إلى أهليهم ، ثم يأتونه ، ويجوز أن يكون المعنى مجمعا لهم ، من ثاب يثوب ثبة بمعنى اجتمع ، وهو أيضاً اسم مكان شاذ بالتاء ، ثم رأيت الوجه الأول قولا للكلبى ، ووجه آخر ضعيف هو أن يكون بمعنى موضع التائبين عن الذنوب ، أو موضع التائبين أى الراجعين يرجعون إليه ، وهو كذلك اسم مكان شاذ بالتاء ، ويجوز أن يكون على تلك المعانى كلها مصدرا ميميا بمعنى مفعول ، أى مرجوعاً إليه مثوباً على قصده بالجنة ، أو مجموعا فيه ، أو مرجوعا فيه عن الذنوب ، أو يقدر مضاف أى ذا رجوع أو ثواب أو اجتماع ، ويدل للمصدرية قوله تعالى :

﴿ وأمْناً ﴾ : فإنه مصدر على تقدير مضاف ، أى موضع أمن ، فهو بمعنى اسم مكان أو ذا أمن ، ويحتمل جعل من باب المبالغة كأنه نفس لفرط الأمن الملتجئ إليه ، ومن هو فى حرمه كما سماه أيضاً آمنا فى قوله جل وعلا : ﴿ حرما آمناً ويُتَخطف الناس من حولهم ﴾ كان المشركون لا يتعرضون لأهل مكة ، ويقولون هم أهل الله . قال ابن عباس : أمناً معاذا وملجأ ، ومن رواية الربيع بن حبيب بن عمر ، وعن أبى عبيدة عنه A فى شأن مكة : « أنها حرام لحرم الله ، لم تحل لأحد قبلى لا تحل لأحد بعدى ، وإنما أحلت لى ساعة من نهار » فغمزها النبى A بيده ، فقال : « لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها ولا تحل لقطتها إلا لمنشدها لاو يختلى خلاها » فقال له العباس عمه ، وكان شيخا مجرباً ، إلا الأذخر يا رسول الله فإنه لا بد منه للقبور ، ولظهور البيوت ، فسكت النبى A قليلا ، فقال : « إلا الأذخر فإنه حلال » وكذا روى البخارى ومسلم عن ابن عباس أنه A قال يوم فتح مكة :

٥٢٧ / ٧٬٦٨٠