هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

158

الجزء ٢ · صفحة ١١٤

﴿ إنَّ الصَّفا ﴾ : جبل بمكة ، وأصله جمع صفاة وهى الصخرة الملساء ، وقيل الحجر الصافى .

﴿ والمرْوةَ ﴾ : جبل بمكة وأصله الرخو ، والثلاثة فصاعداً مرو ومروات وأل فيهما اللمح الأصل ، فهما علمان على الجبلين الصغيرين الواقعين فى طرفى المسعى .

﴿ مِنْ شَعَائرِ الله ﴾ : أى من الأشياء التى هى علامات دين الله D فإن الشعائر جمع شعيرة وهى العلامة ، من قولك : شعرت بالشئ ، أى علمت به ، وشعر الشئ فهو شعيرة ، أى علامة ، وكل ما كان معلما يتقرب به إلى الله من صلاة ودعاء وذبيحة وغير ذلك فهو شعيرة ، وشهر استعمالها فى مواضع أداء الحج ، كالصفا والمروة وما بينهما ، وعرفات ومنى والمزدلفة ، وتفسير الشعائر بالحرمات تفسير بما فى نفس الأمر لا تفسير بمعناه اللغوى ، وقال مجاهد : معنى قوله : ﴿ من شعائر الله ﴾ ، مما أشعركم الله بفضله ، فهو من الإشعار بالكلام ، ومن كلمك بشئ فقد أشعرك به ، وشعرت به أحسست به من سمعى ، وشعرت أحسست بإحدى المحسات .

﴿ فمن حج البيت ﴾ : أى من قصد الكعبة بإحرام ، والذهاب لمنى والوقوف بعرفات ، والمبيت بالمزدلفة ، والرمى والسعى والطواف والذكر فى ذلك كله ، وظهر لك بهذا أن الحج فى الآية لغوى صادق على الشرعى ، بدليل تعديته إلى البيت بنفسه ، ووجه ذلك أن اللغوى أعم ، والشرعى أخص ، والعام يصدق بالخاص ، فلو قلت : الإنسان حيوان لصدقت ، بمعنى أن فيه حياة ، وكان إخباراً لا تعريفاً تاماً ، بل كل جزء من الحج الشرعى وهو الإتيان بما ذكرت من الإحرام وما بعده حج لغوى ، لأنه مقصود ، واللغوى قصد ، وإنما ذكر البيت وحده مع أن تلك المواضع المذكورة والمشار إليها كلها تقصد ، لأنها تقصد مرتبة على شأن البيت وتعظيمه

﴿ أو اعْتَمر ﴾ : أى اعتمره إذا زاره ، أعنى البيت بمعنى أنه زار الكعبة بإحرام وسعى وطواف وذِكر ، فالاعتمار لغوى أيضاً صادق بالشرع صدق العام بالخاص ، مستعملا فى الخاص على حد ما مر فى الحج .

﴿ فلا جُناحَ عَليْه ﴾ : لا إثم عليه ، وأصله من جنح إذا مال عن حق أو باطل ، أطلق على الإثم ، لأن فيه ميلا عن الحق ، وهو ( بضم الجيم ) ويحتمل أن يكون من معناه ومادته جناح الطائر ( بفتح الجيم ) ، لأنه فى جانب مائل عن الجانب الآخر وعن ربط الظهر .

﴿ أنْ يَطَّوَّف بهِما ﴾ : أى يدور بهما ويسعى بينهما ، فإن الطواف والدوران ، كما يطلقان على الإحاطة بالشئ من جوانبه ، يطلقان على التردد عليه ، أو بينه وبين الآخر ، والباء للإلصاق ، وأصل يطوف يتطوف أبدلت التاء طاءً وسكنت وأدغمت فى الطاء . وقرئ يطوف ( بفتح الياء وضم الطاء خفيفة وإسكان الواو ) . وقال القرطبى فى تفسيره : ذكَّرَ الصفا لأن آدم وقف عليه ، وأنث المروة لأن حواء وقفت عليها ، ويعنى بتذكير الصفا كونه بلا تاء ، وقد كان يمكن أن يكون بالتاء تسمية بالمفرد ، ويعنى بتأنيث المروة كونه بالتاء ، ويجوز أن يكون تذكير الصفا لأنه كان عليه إساف ، وهو اسم صنم ، ولا علامة تأنيث فى إساف ، وأنث المروة لأنه كان عليه نائلة وهو اسم صنم ، وفيه علامة التأنيث وهى التاء ، زعم أهل الكتاب أن إساف نائلة رجل وامرأة زنيا فى الكعبة ، فمسخا حجرين ، وجعل إساف على الصفا وجعلت نائلة على المروة ، ليعتبر بهما ، فلما طالت المدة عُبدا من دون الله ، وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوا بهما ، فلما جاء الإسلام ، وكسر الأصنام ، تحرج المسلمون أن يطوفوا بينهما ، فنزلت الآية .

٦١٤ / ٧٬٦٨٠