هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

143

الجزء ٢ · صفحة ٧٦

﴿ وكَذلكَ جَعلْناكُم أمةً وَسَطاً ﴾ : أى كما هديناكم إلى الصراط المستقيم جعلناكم يا أمة محمد أمة خيارا عدولا بالعلم والعمل ، أو كما جعلنا قبلتكم أفضل القبل ، جعلناكم أمة خياراً عدولا ، أو كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب ، جعلناكم أمة خيارا عدولا ، وعلى الوجه خاصة يكون التعبير عن قولك خيارا عدولا بقوله : ﴿ وسطا ﴾ لوقوع ذلك فى صحبة لفظ متوسطة بين المشرق والمغرب تقديرا ، أو كما اصطفيناه فى الدنيا ، يعنى إبراهيم ، فى قوله : ﴿ ولقد اصطفيناه فى الدنيا ﴾ ، جعلناكم أمة وسطا ، والواو للاستئناف أو للعطف على محذوف ، أى أنتم ممن هداه إلى الصراط المستقيم ، وجعلناكم أمة وسطا كذلك ، أو هديناكم أمة وسطا كذلك ، أو جعلنا قبلتكم الكعبة ، أو أفضل قبلة ، وجعلناكم أمة وسطا كذلك ، أى كما جعلنا قبلتكم كذلك ، أو جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب ، وجعلناكم أمة وسطا كذلك ، أى كما وسطناها ، أو للعطف على اصفيناه المذكور ، أى ولقد اصطفيناه فى الدنيا ، وجعلناكم أمة وسطا كذلك ، وأصل الوسط المكان استوت إليه الجوانب المفروضة قريبة أو بعيدة المتساوية ، بحيث لا يكون بعضها أقرب إليه من بعض ، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفى إفراط وتفريط ، فالإفراط المبالغة جدا ، والإسراف والتفريط التقصير جدا والإخلال ، وذلك كالجود بين الإسراف والبخل ، والشجاعة فى احتراز وتحفظ بين الشجاعة والجبن . ثم أطلق على المتصف بالخصال المحمودة ، قال زهير :

همو وسط يرضَى بحكمهم … إذا نزلت إحدى الليالى بمعظم

فالمعنى جعلناكم أمة غير غالية فى الدين ولا مقصرة ، لا كغلو النصارى فى عيسى واليهود فى عزير ، إذ جعلوهما إلهين ، ولا كتقصير اليهود فى الدين بالتحريف والتبديل . قال الزمخشرى : قيل الخيار وسط ، لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأعوار والوسط محمية محوطة ومنه قول الطائى :

كانت هى الوسط المحمىُّ فاكتنفت … بها الحوادث حتى أصبحت طرفا

قال : ويجوز أن يكون وسطا بمعنى عدول ، لأن الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض . انتهى .

وسبب نزول الآية أن رؤساء اليهود قالوا لمعاذ بن جبل : ما ترك محمد قبلتنا إلا حسدا ، وإنما قبلتنا قبلة الأنبياء ، ولقد علم محمد أنا أعدل الناس . فقال معاذ : إنا على حق وعدل ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وروى أبو سعيد الخدرى عن النبى ، A ، قال : « ألا وإن هذه الأمة توفى سبعين أمة هى آخرها وخيرها وأكرمها على الله تعالى » والآية تدل على أن الإجماع حجة ، لأنه لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لاختلت به عدالتهم ، قاله القاضى . وفى رواية عنه ، A ، تفسير الوسط بالعدول ، ووسط القلادة أنفس حجر فيها .

﴿ لِتكُونُوا شُهداءَ علَى النَّاس ﴾ : على الأمم قبلكم ، وعلى تبليغ الرسالة ، لأن الله جل وعلا قد أخبرنا فى القرآن الكريم أن الرسل بلغت الرسالة إلى أممهم ، وأن أممهم كذبتهم إلا من استثنى .

٥٧٦ / ٧٬٦٨٠