هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

133

الجزء ٢ · صفحة ٥٦

﴿ أم كُنتم ﴾ : يا يهود .

﴿ شُهداء إذْ حَضَر يَعْقوبَ الموتُ ﴾ : أم هذه للاستفهام التوبيخى والإضراب الانتقالى ، وهى حرف ابتداء لا عاطفة ، وذلك من التوبيخ الذى لم يقع ما وبخ عليه ، ويجوز أن يكون ذلك الاستفهام للإنكار ، أى ما كنتم حاضرين يا يهود إذ حضر يعقوب الموت ، وقال لبينه ما قال ، فيم تدعون عليه اليهودية ، والإيصاء بها ويجوز أن تكون أم متصلة عاطفة على محذوفن أى أتدعون على الأنبياء اليهودية فيكون يعقوب منها ويأمر بها ، أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ، وسمعتم منه الوصية بها فى جملة ما أوصى به ، أو أكنتم غائبين أم كنتم شهداء ، ويجوز أن يكون الخطاب لليهود والنصارى ، فإن النصارى أيضاً يدعون أن الأنبياء على النصرانية ، وكانت اليهود يقولون ما مات نبى إلا على اليهودية ، وقيل الخطاب للمؤمنين ، والمعنى : ما شهدتم إذ حضر يعقوب الموت ، وإنما حصل لكم العلم بما قال لأولاده من الإيصاء بالإيمان من طريق الوحى ، وعلى هذا تكون أم للاستفهام الإنكارى والإضراب الانتقالى ، وهى حرف ابتداء ، والاستفهام بأم فى صدر الكلام لغة يمانية فيما قال بعض ، يعنى فى صدر كلام تقدمه كلام آخر بينهما اتصال كما قال الطبرى : إن أم يستفهم بها فى وسط الكلام قد تقدم صدره ، وإن هذه منها . . وشهداء بمعنى حاضرين جمع شهيد بمعنى حاضر ، أو جمع شاهد بمعنى حاضر ، كعاقل وعقلاء ، وعالم وعلماء ، وشاعر وشعراء وقرئ إذ حضر ( بكسر الضاد ) وهو لغة .

﴿ إذْ ﴾ : بدل من إذ .

﴿ قالَ لِبنِيهِ ما تعْبدونَ مِنْ بَعْدِى ﴾ : ما استفهامية مفعول مقدم لتعبدون ، والمعنى أى شئ تعبدون بعد موتى؟ قال لهم ذلك ليقولوا لهُ نعبد إلهك وإله آبائك ، فيكون قد أخذ الميثاق عنهم على الثبات على الإسلام ، وهذا رد عظيم على اليهود ، وذلك أنهم ادعوا على يعقوب الإيصاء باليهودية ، فقال لهم الله D : هل حضرتم حين شارف وأوصى بنيه بما يخالف اليهودية ويبطلها ، وهو رد استشهاد كقولك لزيد : أم أجالسك فى المسجد من الظهر إلى العصر ، تريد الرد على من قال إنك كنت فى السوق بين الظهر والعصر . وإن قلت لم قال : ﴿ ما تعبدون ﴾ ولم يقل من تعبدون ، مع أن ما لغير من يتصف بالعلم ، ومن لم يتصف به ، ومعبودهم هو الله تعالى وهو أعلم العالمين؟ قلت : لأنه أراد أن يخرج الكلام إليهم عاما كل العموم ، فيجيبوه بأخص خاص كأنه لم يعرف ما يعبدون ، أهو متصف بالعلم أم لا ، وما يسأل بها عن كل شئ ما لم يعرف ، وإذا عرف متصفا بالعلم سئل عنه بمن إذا أريد تعيينه ، ويجوز السؤال بها فيمن يتصف بالعلم إذا أريد السؤال عن صفته ، لأن الصفة لا توصف بالعلم ، تقول : ما زيد أفقية أم طبب؟ تريد السؤال هل صفته فقه أو طب ، ويجوز تفسير الآية بهذا فيكون المعنى صاحب أى صفة تعبدون ، فأجابوه بأنا نعبد من صفته الألوهية لك ولآبائك والوحداينة ، ويروى أن الله جل وعلا لم يقبض نبيّاً حتى يخيره بين الموت والحياة ، ولما خير يعقوب وقد رأى أهل مصر يعبدون الأوثان والنيران ، قال لله جل وعلا : أنظرنى حتى أوصى ولدى فأمهله فجمع ولده وولد ولده كلهم فقال لهم : قد حضر أجلى ما تعبدون من بعدى؟ فأجابوه بما حكى الله عنهم بقوله :

﴿ قالُوا نعْبدُ إلهكَ وإله آبائِكَ إبْراهِيم وإسماعِيلَ وإسحاقَ ﴾ : إله هؤلاء هو الله سبحانه وتعالى الواجب الوجود ، الذى تجب عبادته ، وعد إسماعيل أبا تغليباً للأب والجد ، فإن إسماعيل عم يعقوب لا أبوه ولا جده ولأن العم كالأب ، ويسمى أبا ، كما قيل فى آزر إنه عم إبراهيم ، وقد سماه الله أباه ، وفى صحيح البخارى ومسلم قال رسول الله ، A :

٥٥٦ / ٧٬٦٨٠