156
الجزء ٢ · صفحة ١١٠﴿ الَّذينَ إذا أصابتْهُم مُصيبةٌ ﴾ : قطعة تصيبهم من مكروه ، فأصله صفة ثم تغلبت عليه الاسمية ، فصار اسما لكل ما يصيب الإنسان أو غيره روى أن مصباح رسول الله ، A ، انطفأ ذات ليلة فقال : « إنا لله وإنا إليه راجعون » فقيل : أمصيبة هى يا رسول الله؟ قال : « نعم كل ما أذى المؤمن فهو مصيبة » وقال : قال رسول الله صلى الله ، A : « كل شئ يؤذى المؤمن فهو له مصيبة » وذكر عبدالله بن خليفة : أنى كنت أمشى مع عمر بن الخطاب فانقطع شسع نعله فاسترجع . فقلت : ما لك يا أمير المؤمنين؟ فقال : انقطع شسع نعلى . فساءنى ذلك ، فكل ما أصابك فهو لك مصيبة ، وروى ابن السنى عن أبى هريرة فى كتابهِ عنه A : « ليسترجع أحدكم فى كل شئ حتى فى شسع نعله فإنها من المصائب » وذكره أبو نعيم فى الحلية ، والنووى ، وفى مراسيل أبى داود انطفأ مصباح النبى ، A : فاسترجع فقالت عائشة : إنما هذا مصباح : فقال : « كلما أساء المؤمن فهو مصيبة » وهذا الحديث يدل على أن ما يصيب المؤمن يسمى مصيبة ، لا ما يصيب المشرك والمنافق فإنه نقمة ، وكذا فى أثر أصحابنا لكن لا على اللزوم ، ففى النيل كالتبيين جاز تمنى مصيبة لمن خيف منهُ عصيان إن لم ننزل به والدعاء عليه بها ، وليست بالمصيبة التى يكون عليها الثواب .
﴿ قالُوا إنَّا لله ﴾ : ملكاً وعبيداً فله أن يصيبنا بما يشاء ، ويتصرف فينا كما شاء . فقولهم : إنَّا لله يدل على رضاهم بكل ما نزل .
﴿ وإنَّا إليْه راجِعُون ﴾ : بالموت والبعث ، فكيف نكره ما يصيبنا فى هذه الدار الى سنرجع منها إليه ، فقولك : إنا لله وإنا إليه راجعون تفويض ورضاً بما أنزل . قال أبو بكر الوراق : إنا لله : إقرار منا لله بالملك ، وإنا إليه راجعون : إقرار على أنفسنا بالهلاك ، قيل : ما أعطيت هذه الامة من قولهم إنَّا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة ، ولو أعطيته أحداً لأعطيته يعقوب عليه السلام ، ألا تسمع قوله عند فقد يوسف : ﴿ يا أَسَفَى عَلَى يُوسُف ﴾ وليس الصبر باللسان فى الاسترجاع ، بل هو بهِ وبالقلب معا ، بدأ بالقلب واللسان مخبر ، وذلك أن يتذكر أنه خلق للعبادة والابتلاء ، وأنهُ يموت ويرجع إلى ربهِ بالجزاء ، ويتذكر ما فيه من النعيم ، فيجده أضعاف ما أصابه فيرضى ويستسلم . روى مسلم عن أم سلمة قالت : سمعت رسول الله ، A ، يقول : « ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنَّا لله وإنَّا إليهِ راجعون اللهم أجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيراً منها إلا أجاره الله فى مصيبته وأخلف له خيراً منها »