180
الجزء ٢ · صفحة ١٧٩﴿ كُتِبَ ﴾ : فرض .
﴿ عليكم إذا حضر أحدَكُم الموتُ ﴾ : أى حضرته أسباب الموت ودلائله من الأمراض المخوفة والعلل المهلكة ، وليس المراد معانيه الموت لأنهُ يعجز فى ذلك الوقت عن الإيصاء ، وإنما قال كتب ولم يقل كتبت بتاء التأنيث مع أن نائب الفاعل مؤنث ، وهو قوله : ﴿ الوصية ﴾ لأنهُ ظاهر مجازى التأنيث ، فجاز تذكير فعله كما تقول طلع الشمس وطلعت الشمس ، وحسن ذلك أن الوصية مؤولة بالإيصاء ، كما يدل عليه رد الضمير إليها مذكراً فى قوله : ﴿ فمن بدله ﴾ على أحد أوجه تأتى إن شاء الله ، وحسنه أيضا الفصل بين كتب والوصية ، والفصل بسيغ التذكير ولو كان التأنيث حقيقاً ، وجواب إذا محذوف دل عليهِ كتب ولا يشكل على ذلك أن الكتابة أزلية لا متقيدة بزمان حضور الموت ، لأنا نقول كما فرض الله جل وعلا ذلك فى الأزل فرضه وقت حضوره ، فهذا إيجاب آخر مطابق للأزلى ، وإن شئت فقل عبر بالفرض الأزلى وأرد لازمه ومسببه وهما الوجوب ، ولكن هذا يشكل عليه أن الوجوب أزلى أيضاً ، يحتاج إلى الجواب بأنه إيجاب آخر مطابق للأزلى ، فالوجه الأول أولى ، وأما جواب أن فمحذوف أيضاً مدلول عليهِ بإذا وشرطها وجوابها المقدر ، أى إن ترك خيراً فإذا حضره الموت كتبت عليهِ أعنى الوصية ، لأنها فى نية التقديم على إذا وإن . وإن قلت : كيف تقول ذلك وترك الخير بعد حضور الموت وبعد الموت؟ قلت : المعنى أنه قرب ترك الخير وشارفه وهو وقت أوسع من وقت حضور الموت شامل له ، ويجوز أن يكون نائب الفاعل هو قوله عليكم فوجب ألا يقرن الفعل بالفاء ، فحينئذ يكون الكلام فى جواب إذا وإن كما مر . والوصية نائب لمحذوف جواب لسؤال مقدر كأنه قيل ما المكتوب أو ما كتب على أحدنا إذا حضره الموت؟ فقال : كتبت الوصية أو خبر لمحذوف كذلك كأنه قيل ما المكتوب عليه؟ فقيل : الوصية ، أى المكتوب الوصية ، ويضعف أن يقال الوصية متبدأ و للوالدين خبر ، والجملة إن حذفت منه الفاء ، لأن حذفها قليل مع غير القول ، وإنما يكثر فى الضرورة كقول حسان :
من يفعل الحسنا لله يشكرها … مع أنهُ روى من يفعل الخير فالرحمن يشكره ، وجعل جواب إن كما مر ، والوصية للوالدين مبتدأ وخبر استئناف للبيان أولى من ادعاء حذف الفاء ، والأولى غير هذين الوجهين ، فيعلق للوالدين بالوصية أو بكتب وإن خرجت إذا عن الشرط تعلقت بكتب ولم يقدر لها جواب ، وكان دليل جواب إن هو قوله ﴿ كتب ﴾ . . إلخ .
﴿ إن تَركَ خيراً ﴾ : أى مالاً كثيراً ، روى أن علياً كان له بعد أعتقه وأرد أن يوصى وله سبعمائة درهم فمنعه وقال : قال الله تعالى : ﴿ إن ترك خيراً ﴾ ، والخير هو المال الكثير ، وأراد رجل أن يوصى فسألته عائشة : كم مالك؟ فقال : ثلاثة آلاف يعنى ثلاثة آلاف درهم .