145
الجزء ٢ · صفحة ٨٨﴿ وَلئِنْ آتيتَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ ﴾ : اليهود والنصارى .
﴿ بِكلّ آيةٍ ما تَبعُوا قِبلتَك وما أنتَ بِتابعٍ قِبلَتَهُم وما بعْضُهم بِتابعٍ قِبلةَ بَعْضٍ ﴾ : يعنى إذا كانوا لا يؤمنون بقبلتك ، ولو أتيتهم بكل آية ، فأولى ألا يؤمنوا بها بمجرد رجوعك إلى قبلتهم ، وإذا رجع إليها كانوا يصلون إلى الكعبة تارة وإلى بيت المقدس تارة ، وكذا هو ، إلا لم يكن سبب نزول الآية ذلك ، وقيل : إن اليهود قالوا إنا لنرجوأ أن يرجع محمد إلى ديننا ، كما صلى إلى قبلتنا فأنزل الله ﴿ ولنْ أتيتَ الَّذينَ أوتوا الكتابَ بِكلِّ آية ﴾ إلى قوله : ﴿ الظالمين ﴾ يعنى أنهم مصرون على كفرهم ، ويدعونك إليه بطلب ترك الكعبة ، وأنت مقيم على الحق ، والكعبة لا تدخل فى أهوائهم ، وإلا فلا يصح كون سبب النزول ذلك ، وكلا القولين تكلف ، والواضح ما قيل أنهم قالوا : ائتنا يا محمد بآية على ما تقول ، فنزلت هذه الآية ، والمراد بالآية فى قوله : ﴿ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ﴾ الحجة أو البرهان أو المعجزة ، وكل من ذلك علامة على ما يقول ، وقبلة محمد الكعبة ، وقبلة اليهود صخرة بيت المقدس ، وقبلة النصارى المشرق أو مشرق الشمس ، كما قال القاضى من حيث طلعت فى كل يوم ، حيث كانوا ، لأن مريم اتخذت مكاناً شرقياً ، فليس النصارى واليهود متبعين قبلة رسول الله صلى الله عليهِ ولم ، ولا هو متبع قبلة اليهود أو قبلة النصارى ولا قبلتهما معاً ، ولا بعضهم وهو اليهود والنصارى متبع قبلة الآخر ، فاليهود لا تثبت قبلة النصارى ، والنصارى لا تتبع قبلة اليهود ، والآية تتضمن أن ييئس رسول الله أن يؤمنوا وييئسوا أن يتبعهم فى ضلالهم ، وأن ييئس بعضهم من بعض لتصلب كل فى دينه .
وقوله : ﴿ وما أنتَ بِتابعٍ قِبْلَتهم ﴾ إخبار كما قبله وبعده ، ويجوز أن يكون بمعنى الأمر أى لا تتبع قبلتهم ، وتضمنت الآية أن كفرهم عناد ومكابرة ، إذ لو كان لشبهة أو طلب الحق لزال بأدنى آية ، وما تبعوا جواب القسم المقدر قبل أن بدليل اللام ، وجواب أن محذوف دل عليهِ جواب القسم وقيل أغنى جواب القسم عنه ، والإضافة فى قبلتهم للجنس الصادق بالقبلتين : قبلة اليهود وقبلة النصارى ، وإنما أفردت ولم تئن إشارة إلى اتحادهما فى البطلان وقرئ بتابع قبلتهم بإضافة تابع لقبلتهم .
﴿ ولَئن اتّبعتَ أهْواءَهم ﴾ : أى ما يهوونه من استقبال بيت المقدس بعد ما حرم الله استقباله فى الصلاة وغير ذلك من الأباطيل ، والخطاب للنبى صلى الله عليهِ وسلم على سبيل الفرض والتمثيل ، لأنهُ A لا يتبع أهواءهم ألبتة ، وذلك تنبيه له وتأكيد ، والمعنى بهذا الخطاب فى الحقيقة أمته وتقدم الكلام فى ذلك .
﴿ مِنْ بَعدِ ما جاءكَ مِنَ العِلْم ﴾ : بوجود أمر القبلة ، وكون اليهود والنصارى مقيمين على باطل عناداً وغير ذلك من الوحى ، والعلم باق على المصدرية ، ويجوز كونه بمعنى المعلوم ، ودلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم ، حيث خصه فى ظاهر اللفظ بالخطاب وحيث قال من بعد ما جاءك من العلم .