172
الجزء ٢ · صفحة ١٤٨﴿ يأيُّها الذِينَ آمنُوا كلُوا من طَيِّبات ما رَزَقْناكم ﴾ : مفعول كلوا محذوف ، أى كلوا شيئاً أو بعضا من طيبات ما رزقناكم ، وفى التعبير بشئ أو بعض مع من الابتدائية أو التبعيضية تلويح إلى ألا يرغبوا فى المأكولات ، ولا يجعلوها هماً لهم ، وإنما ذلك من شأن من لا يهمه أمر الدين ، فلا يبالى بما تجر إليه الرغبة فيها ، والطيبات الحلال ، أو اللذائذ الحلال ، وإنما كرره لينبه أنها رز منه امننَّ به علينا ، وليأمرنا بشكره ، وما رزقناكم هو جميع ما ننتفع به من مأكول وغيره ، فالمأكول بعضه ، الذى يظهر لى أن قوله D : ﴿ كلُوا من طيِّبات ما رزقناكم ﴾ ، مجاز مركب غير استعارى ، فإن هذه الجملة موضوعة للأمر بالأكل من الطيبات ، واستعملت فى معنى الزجر عن أكل الحرام ، فليس قوله : ﴿ كلوا ﴾ على ظاهره من الأمر فضلا عن أن يقال إنه أو للوجوب أو للإباحة ، ويحتمل أن يكون الكلام حقيقة أمرا بالأكل أمرا إباحة إيذانا بالتوسيع فى كل شئ ، وقيده بالحلال أو ردا على ما حرم على نفسه بعض ما حل ، أو على من حرم على نفسه بعض اللذائذ ، ويحتمل أن الأمر فى ذلك للوجوب بالنظر إلى حفظ النفس عن الجوع المؤدى إلى الموت ، أو إلى تلف عضو أو منفعة عضو ، أو إلى الضعف المؤدى إلى العجز عن القيام بالفرائض كالصلاة والصوم والحج ، وقد يندب الأكل كالأكل مع الضعيف إذا كان ترجى بركته ، وكالأكل مع الضيف إذا كان لا يأكل إن لم يأكل معه ، فإنهُ يأكل إن لم يكن يجد الشبع ، والحلال فى ذلك كله قيد ، وحرام أكل الحرام وإيكاله ، ففى مسلم عن أبى هريرة ، قال رسول الله A : « إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : ﴿ يأيها الرُّسل كلُوا من الطيبات واعْملُوا صالحاً ﴾ وقال : ﴿ يأيها الَّذِين آمنُوا كلوا من طيِّبات ما رزقْناكم ﴾ » . وفى الحديث تفسير الطيبات بالحلال ، إذ ساق الآيتين بعد قوله : « إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب » ثم ذكر : « الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب له » وفى رواية فأنى يستجاب لذلك ، والأشعث بعيد العهد بالدهن ، والأغبر بعيد العهد بالغسل والنظافة .
﴿ واشْكُروا الله ﴾ : على طيبات ما رزقناكم وتحليل ما فى الأرض لكم والشكر هو القيام بحق النعمة باستعمال الجوارح المغذاة بها ، والمنتفعة بها فى العبادة وإنفاق الواجب منها .
﴿ إن كُنتُم إيَّاه تعبدون ﴾ : جوابه محذوف تقديره فإن عبادته لا تتم إلا بالشكر أو مدلول عليهِ بما قبله ، أى فاشكروه ، والعبادة العمل الصالح ، وتقديم إياه للحصر ، أى إن كنتم تخصونهُ بالعبادة ، وقيل معناه إن كنتم عارفين بالله وبنعمة فاشكروه ، وهو من الشرط الذى أريد به التثبيت وهز النفوس ، فإن الشكر واجب عليهم غرفوه وعرفوا نعمة أم لا ، وخصوه بالعبادة أم لا ، وروى البيهقى وغيره عن النبى A :