155
الجزء ٢ · صفحة ١٠٨﴿ ولَنبلونَّكُم ﴾ : أى والله لنوقعنكم فى البلاء إيقاعاً مثل إيقاع الإنسان أحداً فى شئ مكروه ، ليعلم كيف حاله فى ذلك الشئ ، ووجه الشبه ظهور حاله خارجاً بذلك الإيقاع ، ولو اختلفنا بأن الله ، D ، لا يخفى عنه شئ قبل وجوده ، فهو عليم بكل شئ بلا أول ، فإيقاع الله الإنسان فى البلاء قبل وجوده ، فهو عليم بكل شئ بلا أول ، فبإيقاع الله الإنسان فى البلاء يظهر فى الخارج صبره واستسلامه للقضاء ، وعدهما ومن كان يعصى عند البلاء تحرجا وضيقا به فهو غير صابر ولا مستسلم .
﴿ بِشَئ ﴾ : التنكير للتحقير ، أى بشئ قليل هين ، بالنسبة لأن كل ما أصاب الإنسان من الأمور العظام الغلاظ فهى هيئة بالنسبة إلى ما كفى الله عنه مما هو أعظم ، وقليلة بالنسبة إلى الأمور الكثيرة التى لا تحصى ، وقد كفاها الله عنه ، فكل ما أصابه فهو قليل هين بالنسبة إلى عذاب الآخرة الذى يصيب الكافر ، وبالنسبة إلى ما أعده الله الرحمن الرحيم له عليه من الثواب ، وقليل هين بالنسبة إلى سلامة دينه ، ففى التعبير بما يدل على التحقير تخفيف عليهم ، ودعاء لهم إلى الصبر ، إيذان بأن رحمته لم تفارقهم إذ لم يصبهم بما هو أعظم ، وإنما أخبرهم بأنه يبلوهم ليوطنوا أنفسهم على الصبر فيصبروا إذا وقع البلاء ، وليدوموا على التضرع والابتهال ، لعلمهم بأنهُ سيقع فإن الإنسان فى البلاء أشد إخلاصا وتضرعا ، وليكون ذلك إخبار بالغيب إذا وقع على حالة مخصوصة على لسانه ، A ، كان معجزة ، وليكون علامة تمييز المؤمن بالصبر من المنافق ، وفائدة الابتلاء الثواب ، وأن الكفار إذا شاهدوا صبر المؤمنين مع بقائهم على دينهم علموا صحة دينهم فيدعوهم ذلك إلى الدخول فيه ، والمراد بشئ قليل من كل واحد من هذه الأشياء المذكورة بعد ، ولو قال بأشياء لتوهم أن المراد أصناف من الخوف ، وأصناف من الجوع وهكذا .
﴿ مِنَ الخَوْف ﴾ : للعدو المشرك والمنافق . قال ابن عباس يعنى خوف العدو ، وذلك يشمل خوف الحرب وغيرها ، وفسره بعض بخوف العدو فى الحرب ، وقال الشافعى الخوف خوف الله ، والخوف توقع مكروه يحصل منه ألم فى القلب ، وقد يعدو إلى الظاهر بالاصفرار بأن ينقبض الدم داخلا .
﴿ والجُوعِ ﴾ : هو حال تحصل من خلو المعدة مما يغذى . وهى موجعة ، وقيل هو فراغ الجسم عما به قوامه ، وقيل الألم الذى ينال الحيوان من خلو المعدة عن الطعام ، فهو عن الأول والثالث وجودى ، وعلى الثانى عدمى ، والمراد مطلق الجوع سوى القحط أو غيره ، وقيل المراد الجوع للقحط ، وقال الشافعى : الجوع جوع صوم رمضان .
﴿ ونَقْصٍ مِنَ الأَموال ﴾ : العروض والأصول والحيوان والنقد بالحوائج والمصائب ، بإذهاب الشئ كلهِ أو بإزالة قوته ونفعه ، أو بعض النفع ، أو بعض القوة كموت الحيوان وعدم الدور وموت النخل والشجر وقطعها ، والسرقة لما يسرق ، والغصب ووضع الخراج ونحو ذلك ، كالخسارة فى البيع والشراء ، وركوب الدين ، فيباع ما ملك ، وقال الشافعى : نقص من الأموال إخراج الزكاة والصدقات ، ولا ينافيهِ حديث :