هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

174

الجزء ٢ · صفحة ١٥٨

﴿ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكِتَاب ﴾ : من للتبعيض ، لأنهم يكتمون بعض الكتاب لا كله وهم اليهود يكتمون ما فى التوراة من صفات رسول الله ، A ، وما فيها من تصديقه متعلق بمحذوف حال من مال أو من المحذوف ، أى ما أنزله الله حال كونه بعض الكتاب ، أو من للابتداء متعلق بيكتمون وليست بيانا لما أو لضميرها المحذوف : لأنهم لم يكتموا كل الكتاب بل بعضه .

﴿ ويشْتَرونَ به ﴾ : أى بما أنزل الله ، أو بالكتاب إثباتا بيانا ونفيا وزيادة ، أما الإثبات فهم يقرءون التوراة ويقرءونها ويعلمون بعض ما فيها بالأجرة ، وأما النفى فهو محوهم منها صفات محمد وما يصدقها أو كتم ذلك أو تأويله بتحريف ، أو يأخذون الأجرة على ذلك ، ويعيرون وقت نبوته فعل علماءهم ذلك وأكابرهم لئلا تزول عنهم الرياسة والمآكل التى يأكلونها من السفلة والعامة ، وأما الزيادة فيها ما حرم برسم الحلال والعكس وتبديل صفاته A بغيرها ، ليرى الناس أنه غير النبى المبعوث آخر الزمان ، وقيل الكاتمون اليهود والنصارى ، والكتاب التوراة والإنجيل ، وزعم المتكلمون أن التوراة والإنجيل بلغا من الشهرة إلى حيث يتعذر كتم بعض ما فيهما أو محوه ، وليس كذلك لأنهم قوم سوء ، وقد غيرهما قبل سيدنا محمد ، A ، وزادوا ونقصوا ، ففعلوا ذلك أيضا بعد ولادته وبعد بعثه إلا قليلا منهم ، وزعم هؤلاء المتكلمون أن كتمهم هو التحريف بالتأويل ليصرفوا الرسالة عنه ، A ، وليس هذا الحصر بشئ ، والآية ولو نزلت فى الأحبار والرهبان لكنها تتناول من كتم الحق من الموحدين لغرض من الدنيا ، ويجوز عود الهاء إلى الكتم ، أى يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون بالكتم .

﴿ ثَمَناً قَليلاً ﴾ : هو مآكلهم المذكورة ، سماها ثمنا لأنها عوض عن الحق ، وسماها قليلا لقلة ما فى الدنيا كله ، وبالنسبة إلى ما عوضوه عنه ، وبالنسبة إلى ثوابهم فى الآخرة لو أطاعوا أو إلى عذابهم فيها .

﴿ أولئك ما يأكلونَ فى بطونهم إلاَّ النارَ ﴾ : شبه ما يأكلونه من المآكل المذكورة والرشاء بالنار ، فسماه باسم النار لأنهُ سبب للنار وملزوم لها ، ومعاقبون بها عليه ، فكأنه عوضه وبدله . قال أعرابى تزوج امرأة فلم توافقه :

أكلت دما إن لم أرعك بضره … بعيدة مهوى القرط طبيعة النشر

كان أخذ الدية عند العرب عاراً لأنها تتضمن قتل الأعزة وتجسر عليها ، وعلى الإهانة بالأقارب ، فحلف بأنه يكون كالذى أكل دما ، أى أخذ الدية المسببة أو اللازمة عن الدم المعبر عن القتل إن لم ينزع مخاطبته التى هى زوجه بامرأة يتزوجها عليها ، طويلة العنق ، بحيث يبعد مسقط ما تعلق فى أذنها ومسقطه الكتف ، طيبة الرائحة .

٦٥٨ / ٧٬٦٨٠