هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

144

الجزء ٢ · صفحة ٨٣

﴿ قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِك فى السّماء فلنولِّينّك قِبلةً ترضاها فولِّ وجْهك شَطْر المسْجِدَ الحرام . . . إلخ ﴾ وقيل كان يقول ذلك لجبريل ، وإذا قام إلى الصلاة رفع طرفه نحو السماء ينظر الأمر من عند الله ، فنزلت الأية ، وهذه الآية متأخرة فى التلاوة متقدمة فى النزول ، لأنها أول ما نسخ الاستقبال إلى بيت المقدس ، وقيل كان A يحب التوجه إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم ، وأقدم من بيت المقدس ، وأدعى للعرب إلى الإيمان ، إذ لا قبلة أحب إليهم منها ، ولا يستقبلون سواها إلا من تنصر منهم ، وليخالف اليهود الأراجس القائلين : ما بال محمد يخالف ديننا ويستقبل قبلتنا؟ ووقع فى قلبه أن سيحوله الله الرءوف الرحيم إلى الكعبة لتلك العلل ، وكان يردد وجهه فى جهة السماء طمعاً فى الوحى بذلك واشتياقاً ، فنزل قوله عز وعلا : ﴿ قد نَرَى تَقلُّب وجْهكَ فى السَّماء . . الآية ﴾ وذلك منه أدب كامل حيث اقتصر على الانتظار ، ولم يسأل ، وقيل سبب نزول الآية أن النبى A وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة ، فلما هاجر إلى المدينة أحب أن يستقبل بيت المقدس يتألف بذلك اليهود ، وقيل إن الله تعالى أمره بذلك ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم ، مع ما يجدون من وصفه فى التوراة ، فصلى إلى بيت المقدس بعد الهجرة ستة عشر شهراً ، وقيل سبعة عشر شهراً ، وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام . قاله ابن عباس . وقال الربيع والسدى : أحب التوجه إليها ليؤلف العرب لمحبتهم للكعبة ، والأولى جمع ذلك كله كما مر ، ومعنى تقلب الوجه فى السماء : تقلب بصره فى جهة السماء أو إلى جهة السماء ، والوجه يتقلب إلى الشئ يتقلب البصر إليه ، والتقلب التصرف والتردد ، ووجهة تقلب وجهه فى السماء أن السماء قد تعود الناس منها الرحمة كالمطر والنور والوحى ، فهم يجعلون رغبتهم ونظرهم حيث تأتى النعم . وعن قتادة وغيره : كان رسول الله ، A ، يقلب وجهه فى الدعاء إلى السماء أن يحوله إلى قبلة مكة ، وقد للتحقيق ، ويجوز أن تكون للتكثير ، ومعناه تكثير الرؤية لتكثير التقلب ، والمراد تكثير التقلب إلى السماء ، ولكن عبر بتكثير الرؤية لأنها لازم التقلب ، وقد حمل سيبويه على التكثير قول الهذلى :

قد أتركُ القرنَ مُصْفَرا أناملهُ

وحمل عليهِ جماعة قول الشاعر :

قد أشهد الغارة الشعواء تحملنى … جرداء معروقة اللحيين سرحوب

ومعنى : ( نرى ) نعلم ومعنى ﴿ لنوَلِّينك قِبلةً ترضاها ﴾ ، لنجعلنك تلى قبلة مرضية لك ، وهى الكعبة ، والقسم مفرع بالفاء السببية على ﴿ قد نرى تقلب وجهك فى السماء ﴾ ، مع المحذوف المقدر ، أى قد نرى تقلب وجهك فى السماء لأجل طلب قبلة غير التى أنت عليها الآن ، أو قد نرى تقلب وجهك فى السماء طالباً غير القبلة التى أنت عليها ، أو قد نرى تقلب وجهك فى السماء وطلبك القبلة الأخرى ، فوالله لنولينك قبلة ترضاها .

٥٨٣ / ٧٬٦٨٠