151
الجزء ٢ · صفحة ٩٩﴿ كَمَا أرْسَلْنا ﴾ : متعلق بقوله : ﴿ أتم ﴾ ، أى ولأتم نعمتى عليكم ، كما أرسلنا فيكم رسولا منكم أى كما بدأتكم بإرسال الرسول فيكم منكم أتم نعمتى عليكم ، غير أنه لما قدم أتم صح قرنه بلام التعليل ، كأنه قيل ولأتم نعمتى عليكم كما بدأتها بإرساله ، وهذا أولى من أن يقال كما أتممتها بإرسال رسول منكم ، أو متعلق بقوله : ﴿ اذكرونى ﴾ على أن الفاصلة أى اذكرونى بالعبادة ، كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ، وقيل متعلقا بتهتدون ، وتعليقه باذكرونى هو قول الفراء ، قال : ﴿ كما أرسلنا فيكم رسولا ﴾ وأوليتكم هذه النعمة فاذكرونى ، ويجوز تعليقه بأذكركم ، ووجه التعليق باذكرونى أن المعنى افعلوا خيرا يعود عليكم وهو ذكركم إياى كما فعلت خيراً هو إرسالى رسولا منكم ، بل ذكركم إياى نعمة منى ، كما أن الإرسال نعمة منى ، ووجه التعليق بأذكركم أن المعنى أنعم عليكم بذكرى إياكم ، كما أنعمت عليكم بالإرسال منكم ، ووجه التعليق بتهتدون : أن الاهتداء نعمة من الله ، كما أن الإرسال نعمة منه تعالى ، أو أن الاهتداء هو الذى طلبه إبراهيم عليهِ السلام بقوله : ﴿ ومِنْ ذُرِّيتنا أمة مُسلمةً لك ﴾ وإرسال الرسول من العرب هو الذى طلبه بقوله : ﴿ وابْعَث فِيهِم رسولاً مِنْهم ﴾ أى لعلى أجيب دعوة إبراهيم باهتدائكم ، كما أجبت دعوته بإرسال محمد ، صلى الله عليهِ وسلم ، منكم ، والكاف للتشبيه فى الأوجه كلها ، ويجوز فى تعليقها باذكرونى ، أو بأذكركم أن تكون للتشبيه وأن تكون للتعليل .
﴿ فِيكُم ﴾ : يا معشر العرب .
﴿ رسُولاً منْكُم ﴾ : وهو رسول الله محمد ، A ، فإنه من العرب والعرب أفضل الناس ، لأن أفضل الرسل منهم ، وهذا شرف فى نفس العرب ، وتفضيل بنى إسرائيل على عالمى زمانهم حتى عرب زمانهم إنما هو باعتبار ما تفضل عليهم لا فى نفسهم فافهم ، ويدل أيضاً على ذلك وعلى فضل لغتهم على سائر اللغات ، أن القرآن جاء عليها وهو أفضل كتب الله جل وعلا وفى إرسال الرسول منهم نعمة عظيمة عليهم لما فيه من الشرف لهم ، لأن المعروف من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد لغيرهم ، فكان بعثة منهم أقرب إلى قبول قوله والانقياد إليه .
﴿ يتْلُو عليْكُم آياتنا ﴾ : هى آيات القرآن الكريم المعجز إلى يوم القيامة ، وجملة ( يتلو ) نعت رسولا ، ويجوز أن تكون حالا منه إن علقنا منكم بإرسلنا ولم نجعله نعتا له .
﴿ ويُزكِّيكُم ﴾ : يطهركم من الشرك والمعاصى ، لأن يعلمكم أمر الدين ويأمركم وينهاكم ، وشئ زكى بمعنى غير خبيث بالنجس ، وفى إطلاق التزكية على الانقياد من السر والمعاصى إشارة إلى أن الشرك والمعاصى كالنجس ، ويجوز أن يكون المعنى ينميكم بالطاعة والإيمان ، فإن الإنسان فى المعصية والشرك على نقص ورذالة ، وفى الطاعة والإيمان على الزيادة والبركة ، وأن يكون معنى يزكيكم بصيركم أزكيا بأن تكون أخلاقكم محاسن وأفعالكم مكارم .