165
الجزء ٢ · صفحة ١٣٣﴿ ومِنَ النَّاس ﴾ : أراد الناس إجمالا المشركين والمؤمنين ، ومن للتبعيض ، والبعض المتخذ أندادا مشركون لا مؤمنون ، ويجوز أن يريد الناس المشركين لأن بعض المشركين لا يتخذ أندادا ، وإشراكه إنما هو من جهة إنكار الله سبحانه أو نبى أو كتاب .
﴿ مَنْ يَتَّخذُ منْ دُون اللهِ أنْداداً ﴾ : أى أصناماً يسمونها أندادا ، لأنها تعدل الله D سبحانه وتعالى فى زعمهم الباطل ، وأسماها الله بذلك باعتبار اعتقادهم فيها ، لأنها تفعل لهم أشياء كما يفعل الله ، ويترك الله بها بعض ما أراد بهم . والند المثل المقاوم والمنازع ، وقيل أندادا رؤساء من رجالهم يطيعونهم ، فى معصية الله D ، وسماهم أندادا باعتبار مقتضى اتباعهم ، وترك ما أمر الله D ، وسماهم أندادا باعتبار مقتضى ابتاعهم ، وترك ما أمر الله عز وعلا ، كأنهم أمثال الله مقاومون له قادرون قدرته ، حتى أساغوا لأنفسهم طاعتهم ومعصية الله ، أو باعتبار هؤلاء الرؤساء فى الأمر بمعصية الله ورضاهم بها ، كأنهم مقاومون له تعالى ، ويحتمل عندى وجه آخر هو أن الله جل وعلا شنع عليهم فى اتخاذهم أنداداً من جنسهم ، كما شنع عليهم فى اتخاذ الأصنام مما هم خير منهم ، ويدل لهذا الاحتمال والقول قبله قوله تعالى ﴿ إذ تبرَّأ الذين اتَّبعُوا من الذين اتُّبعوا ﴾ وبقوله : ( يحبُّونهم ) بضمير العقلاء الذى هو : هم ، الذى أصله أن يكون للعاقل تحقيقاً لا للعاقل تنزيلا ، ويجوز أن يراد بالأنداد الأصنام والرؤساء معاً وما يشغل عن عبادة الله D . قال مجاهد الأنداد الأوثان ، وهو مثل تفسيرى له بالأصنام .
﴿ يحبُّونَهم ﴾ : الواو ضمير من باعتبار معناه ، وقد اعتبر لفظه فى قوله : ( يتخذ ) والهاء للأنداد وهم عقلاء لأنهم الرؤساء ، أو لهم وللأنداد تغليباً أو تنزيلا للأنداد من الأصنام منزلة العقلاء ، أو للأنداد وتنزيلا كذلك ، والحب ميل القلب إلى الشئ ومناسبته والرغبة فيه ، وهو نقيض البغض ، وسمى بذلك حبّاً بضم الحاء أخذا من لفظ الحَبة بفتح الحاء ، وهى نفس القلب ، لأن الحب بالضم ميل القلب أو أخذاً من حبة القلب وهو الجزء الذى هو أدخل وأدق فيه ، لأن الحب أصابه ورسخ فيه ، ويحتمل أن يكون الحب بمعنى التعظيم والطاعة ، وساغ ذلك لأن الحب سبب للطاعة والتعظيم فى الجملة .
﴿ كَحبِّ الله ﴾ : أى كحب المؤمنين الله ، فالحب مصدر مضاف لما هو مفعول اصطلاحاً وهو لفظ الجلالة بعد حذف الفاعل ، وهو المؤمنون ، ووجه الشبه الاجتماع فى الحب ، أحب المشركون الأنداد كما أحب المؤمنون الله ، جل وعلا ، لا المساواة فى الحب ، فإن المؤمنين أشد حبا لله ، والدليل على فاعل المصدر الذى هو المؤمنون أن الحب الحقيق المتبادر هو حب المؤمن به المطيع له إياه ، لا حب الكافر فلا لبس ، وكذا إن قلنا : إن الحب مصدر للمبنى للمفعول ، لأن الفاعل أيضاً هو المؤمنون ، ويجوز أن يراد كحب هؤلاء المشركين الله ، فحذف فاعل المصدر وهو المشركون ، أو المصدر من المبنى للمفعول والفاعل هو المشركون كذلك ، ووجه ذلك أن المشركين لا يخلون من حب الله حبا ما لأنهم يقرون بوجوده ورزقه ، كأنهم يحبونهُ ويتقربون إليه بالأنداد ، فيجمعون فى قلوبهم حب الله وحب الأنداد ولو تفاوتا عندهم ، أو يسوون بينه وبينها فى الحب حتى إذا اضطروا أخلصوا لله تعالى ، كما قال الله تبارك وتعالى :