هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

138

الجزء ٢ · صفحة ٦٦

﴿ صِبْغَة اللهِ ﴾ : مفعول مطلق كسبحان الله ، قاله سيبويه ، والأصل صبغنا الله صبغة ، فحذف الفعل وأضيف اسم المصدر إلى فاعله ، كما أن سبحان الله أصله سبحوا الله أو سبحنا الله أو نسبح الله ، فحذف الفعل وأضيف اسم المصدر إلى مفعوله وهو لفظ الجلالة ، والمصدر هنا مؤكد لآمنا ، قدرنا صبغنا الله صبغة بمعنى الإخبار ، أو قلنا إنه طلب ودعاء ، وعلى الوجهين ، فهو من مقول القول المتقدم فى قوله : ﴿ قُولوا آمنَّا ﴾ وكسر الصاد للنص على أن المراد نوع من الصبغ ، كالجلسة بكسر الجيم لنوع من الجلوس ، ومعنى صبغة الله ، لأن الإيمان يطهر النفوس ، فصبغة الله مؤكد لآمنا ، من توكيد المفعول المطلق لمضمون الجملة قبله ، وكذا إن قلنا صبغة الله بمعنى فطرة الله التى فطر الناس عليها ، أو بمعنى فطرة الله التى فطر الناس عليها ، أو بمعنى هدايته والمراد على معنى الفطرة الدعاء بالإدامة على الفطرة ، أو الإخبار بأنه تعالى صبغهم صبغة باقية ، وهى الفطرة بقيت بعد البلوغ ، ويجوز أن تكون صبغ ة بدلا من ملة ، وقيل منصوب على الإغراء ، أن الزموا معشر اليهود والنصارى صبغة الله ، أو نلزم معشر المؤمنين صبغة الله ، أو الزموا يا معشر المؤمنين صبغة الله ، وقيل صبغة الله دين الله ، وهو مروى عن ابن عباس ، أى دِنّا دينَ الله ، أو نلزم دين الله ، أو الزموا معشر المؤمنين دين الله ، أو الزموا يا معشر اليهود والنصارى دين الله ، أو بدل من ملة . وقيل سنة الله وهى دينه ، أو سنتنا سنة الله ، أو نلزم أو الزموا أو بدل كذلك ، وما أصدق فى هذه الأقوال واحد ، وسمى ذلك كله صبغة ، لأنه زينة للإنسان ، كما أن الصبغة زينة للمصبوغ ، وزينة لمن يتزين بها ، أو لظهور أثر ذلك لمن هو فيه ، كظهور أثر الصبغ على المصبوغ ، ولدخوله القلب كدخول الصبغ الثوب ، وكل ذى دين باطنه مصبوغ بصبغ اعتقاده ودينه حقا . وقال بعض المفسرين اليهود تصبغ أولادها يهوداً ، والنصارى تصبغ أولادها نصارى ، وأن صبغة الله الإسلام . ولفظ صبغة فى تلك الأوجه والأقوال كلها استعارة تصريحية تحقيقية أصلية ، ووجه الشبه الشهور أو الدخول أو كلاهما ، والقرينة الإضافة إلى الله ، وفيه المشاكلة البديعة . قال القزوينى والسعد : ومن الضرب المعنوى من المحسنات البديعة المشاكلة ، وهى ذكر الشئ بلفظ غيره لوقوع ذلك الشئ فى صحبة ذلك الغير وقوعاً إما محققاً كقوله :

وقالوا كما اقترح شيئا نجد لك طبخه … فقلت اطبخوا لى جبة وقميصا

ذكر خياطة الجبة والقميص بلفظ الطبخ لوقوعها فى صحبة طبخ الطعام فى قوله : نجد لك طبخه ، أى اطلب شيئاً من غير تفكر ولو صعبا نطبخه لك طبخا جيداً ، ونجد ( بضم النون وكسر الجيم ) من أجاد شيئاً ، أى صيره جيدا وإما مقدرا كقوله : ( صبغة الله ) فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم فى ماء أصفر يسمونه المعمودية ، ويقولون إن الغمس فى ذلك الماء تطهير لهم ، فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال : الآن صار نصرانياً حقاً .

٥٦٦ / ٧٬٦٨٠