142
الجزء ٢ · صفحة ٧٤﴿ سَيَقُولُ السُّفهاء ﴾ : أى الذين عقولهم خفيفة ممتهنة بالتقليد ، وترك التدبر فى الوحى ، وسائر خلق الله ، فلو كانوا يتدبرون فى الوحى والمصنوعات لرجحت بالعلم ورزنت ، وإن شئت فقل السفهاء من خفت نفوسهم وجوارحهم وألسنتهم لنقصان عقولهم فى الدين ، ألا ترى كيف يعاجلون المعصية حذراً أن تفوتهم ، سواء كانت معصية فعل أو [ قول ، وهكذا يكون السفه فى أمر الدنيا ، ويقارنه السفه فى الدين ، كعدم المبالاة بتضييع المال وإذا صح انصاف الإنسان بالسفه من جانب أمر الدنيا فمن باب الدين أولى .
﴿ مِنَ النَّاس ﴾ : حال من السفهاء ، ومن للتبعيض ، والمراد بالسفهاء اليهود لإنكارهم النسخ ، وقد نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة ، وهذا قول مجاهد ، وعن ابن عباس : هم أحبار اليهود جاءوا إلى رسول الله ، A ، فقالوا : يا محمد ما ولاك عن قبلتنا ، ارجع إليها ونؤمن بك ، يريدون فتنته ، وقال الحسن : المراد بالسفهاء مشركو العرب ، وهم كفار قريش . قالوا رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها ، فوالله ليرجعن إلى دينهم ، وقالوا قد تردد على محمد أمره واشتاق إلى مولده ، وقد تحول إلى قبلة بلدكم فلعله يرجع إلى دينكم . وقيل المراد بالسفهاء المنافقون فى المدينة لحرصهم على الطعن والاستهزاء فى الإسلام ، ولا يجدون مقالا فى ذلك إلا قالوه ، وقيل المراد المنافقون واليهود ، وقيل المراد المنافقون واليهود والمشركون من قريش ، وهو أولى لعمومه ، إذ لا فائدة فى التخصيص ، والمراد بالناس جملة الناس ، ويجوز أن يراد بالناس قريش بمعنى أنه سيقول السفهاء من قريش ، لأن فى قريش من ليس سفيها ، وهو من آمن بالله ورسوله ، A ، ويجوز أن يراد بالناس اليهود ، أى سيقول السفهاءُ من اليهود ، لأن من اليهود من آمن بالله ورسوله ، A ، كعبد الله بن سلام . وقد يقال المراد بالناس المنافقون واليهود ومشركو العرب ، أى سيقول السفهاء من المنافقين واليهود ومشركى العرب ، لأنهم ولو كانوا كلهم كفاراً مشركين لكن منهم إخفاء ، ومنهم من فيه ثقل ، وبعض رزانة . والله أعلم :
والآية نزلت قبل أن يقولوا ، وفائدة ذلك أن يكون معجزة لأن فيه إخباراً بالغيب على طبق ما سيقع ، ففيه دعاء إلى تصديق النبى A ، وأن يوطن نفسه ليثبت ، إذا قالوا لأن مفاجاة المكروه أشد من مجيئه على علم به ، وفيها يكون الاضطراب ، وإذا تقدم العلم به زال الاضطراب لوقوعه أو خف ، وأن يعد الجواب لهم إذ قالوا كما علمه الله أن يقول بقوله : قل لله المشرق والمغرب . . إلخ ، فإن الجواب الحاضر قبل الحاجة إليه أقطع للخصم ، وفى المثل ، قبل الرمى يراش السهم . وقال ابن عباس : الآية متأخرة فى النزول عن قوله تعالى :