163
الجزء ٢ · صفحة ١٢٥﴿ وإلهكُم إلهٌ واحدٌ ﴾ : لا إله معهُ يستحق أن يسمى إلهاً ، أو أن يعبد ولا قائل كقوله ، ولا فاعل كفعله ، ولا موصوف بصفته ، ولا تركيب لذاته ولا جزء لا يوصف ببساطة ولا تركيب ، والخطاب عام لجميع العقلاء أو لمن أنكر وحدانية الله سبحانه وتعالى من العرب ، ويدخل كل منكر لها وكل مصدق لها بالمعنى ، وأعاد لفظ إله للتأكيد إذ كان يكفى أن يقال : وإلهكم إله واحد ، ولا شك أن فى قولك سيدكم سيد واحد ما ليس فى قولك سيدكم واحد .
﴿ لا إله إلاَّ هُو ﴾ : تقرير وتأكيد للوحدانية الى صرح بها قولهُ تعالى : ﴿ وإلهكُم إلهٌ واحدٌ ﴾ ، ودفع لما يتوهمهُ معاند من الكلام أن فى الوجود من يسمى إلهاً لا يستحق العبادة ، لأن معنى قوله تبارك وتعالى : ﴿ وإلهكُم إلهٌ واحدٌ ﴾ ومعبودكم معبود واحد فدفع ذلك التوهم بقوله D : ﴿ لا إلهَ إلا هُو ﴾ أى لا مسمى بهذا الإسم المشعر بوجود العبادة إلا هو .
﴿ الرَّحْمن الرَّحِيمُ ﴾ : مولى جلائل النعم ودقائقها ، وتقدم تفسيرهما ، وكل نعمة منه ، ونعمة عمت الخلق كله الحيوان والجماد وكل مخلوق ، ثم إن بعض مخلوقاتهِ أيضاً أنعم بهِ على بعض ، وإذا ثبت أن كل نعمة منهُ ، وأن نعمته عمت الخلوقات ، وأن بعضها منعم به أيضا ، وبعضها منعم عليه ، فلا يستحق عبادة المخلوقات إلا الذى أنعم عليها ، فقوله : ﴿ الرَّحمن الرَّحيمُ ﴾ حجة على وجوب العبادة التى تضمنها قوله جل وعلا : ﴿ وإلهكم إلهٌ واحد لا إلهَ إلا هُو ﴾ ، وأخرج أبو داود والترمذى ، وقال الترمذى حديث صحيح عن أسماء بنت يزيد ، قالت : سمعت رسول الله A يقول : « اسم الله الأعظم فى هاتين الآيتين : ﴿ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ﴾ وفاتحة آل عمران : ﴿ اللهُ لا إلهَ إلاَّ هُوَ الحىُّ القَيُّوم ﴾ »
وذكر أبو حامد أن قوله تعالى : ﴿ وإلهكُم إلهٌ واحدٌ لا إلهَ إلاَ هُو الرَّحمنُ الرَّحيمُ ﴾ مع قوله تبارك وتعالى : ﴿ ويشهد الله على ما فى قلبه وهو ألد الخصام ﴾ ينفع من وجع الثديين ، وإن قلت : كيف يصح أن يكون هو بلاد من إله وقد تخالفا سلباً وإيجاباً؟ قلت : النفى فى إله منتقض بإلا بالنسبة إلى قوله : ( هو ) فهو معتبر فى هو منتقضا ، فاتفقا فى النفى بإلا مثلا ، هو إثبات فقد اتفقا إثباتاً . وإن قلت فكيف يكون الرحمن الرحيم صفتين لقوله : ( هو ) والضمير لا يوصف؟ قلت : أجاز الكسائى وصفه وليس متعيناً ، والصحيح أنه لا يوصف بأن الرحمن الرحيم خبران لمحذوف ، أى هو الرحمن الرحيم ، أو خبران آخران لقوله : ﴿ إلهكم ﴾ أو الرحمن خبر آخر أو لمحذوف . والرحيم صفته على أنه علم ، والصحيح أنه صفة كالرحيم ، قال ابن هشام : جوز الكسائى نعت الضمير إن كان لغائب والنعت لغير توضيح نحو :