135
الجزء ٢ · صفحة ٦٠﴿ وقالُوا كُونوا هوداً أو نَصَارى تَهْتدُوا ﴾ : أى قالت اليهود : كونوا هوداً تهتدوا ، وقالت النصارى : كونوا نصارى تهتدوا ، قالت ذلك يهود المدينة ، ونصارى نجران ، والكلام فى هذه الآية مثله فى قوله D : ﴿ وقالُوا لنْ يدْخُل الجنَّة إلا منْ كانَ هُوداً أو نصارَى ﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما : نزلت فى رؤساء اليهود كعب بن الأشرف ، ومالك بن الصيف ، وابن يهودا ، وأبى ياسر بن أخطب ، وفى نصارى نجران السيد والعاقب وأصحابهما ، وذلك أنهم خاصموا المؤمنين فى الدين ، فكل فريق منهم يزعم أنه أحق بدين الله ، فقالت اليهود : نبينا موسى أفضل الأنبياء ، وكتابنا التوراة أفضل الكتب ، وديننا أفضل الأديان ، وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد والقرآن . وقالت النصارى : نبينا عيسى أفضل الأنبياء وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب ، وديننا أفضل الأديان ، وكفروا بموسى والتوراة ومحمد والقرآن ، وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين : كونوا على ديننا فلا دين إلا ديننا ، وقلنا نحن معشر المسلمين محمد رسول الله ، A ، أفضل الرسل ، والقرآن أفضل الكتب ، وديننا أفضل الأديان ، وهو دين إبراهيم المتفق على صحته ، وآمنا بجميع أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام ، وجميع كتبهم ، فكذب الله D اليهود والنصارى وصدقنا فأنزل :
﴿ قُلْ بَل مِلَّة إبراهيم ﴾ : أى قل يا محمد : بل نتبع ملة إبراهيم ، لأنه صواب مجمع عليه ، والله أمرنا به ، لا بيهوديتكم ونصرانيتكم ، فملة معمولة لمحذوف تقديره نتبع ، كما علمت ، ويدل له قوله تعالى : ﴿ اتَّبعُوا ملة إبراهيم ﴾ أو تقديره : نلزم ملة إبراهيم ، أو تقديره : تكون ملة إبراهيم ، أى أهل ملة إبراهيم كقول عدى بن حاتم : إنى من دين ، أى من أهل دين ، فيقدر المضاف آخراً كما رأيت ، أو يقدر أولا أى نكون ملتنا ملة إبراهيم ، وتقدير الكون أنسب بقوله : كونوا ، ويجوز تقدير المحذوف خطاباً لليهود والنصارى ، أى بل اتبعوا والزموا ملة إبراهيم ، وقرئ ملة إبراهيم بالرفع ، على أنهُ مبتدأ خبره محذوف ، أى ملة إبراهيم ملتنا ، أو خبر لمحذوف ، أى ملتنا ملة إبراهيم ، أو أمرنا ملة إبراهيم ، أو نحن ملة إبراهيم ، أى أهل ملة إبراهيم .
﴿ حنيفاً ﴾ : مائلا عن اليهودية والنصرانية وغيرهما من الأديان الباطلة ، إلى دين الإسلام . والحنف الميل مطلقاً ، والمراد هنا ما ذكرت . قال ابن عباس : الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام . قال الشاعر :
ولكنا خلقنا إذ خلقنا … حنيفاً ديننا عن كل دين
والحنف ميل فى القدمين ، وكانت العرب تسمى كل من احتجم أو اختتن حنيفا ، تنبيها على أنه على دين إبراهيم ، وقيل معنى حنيفا مختتنا مقيما للمناسك ، وقيل : الحنيف فى الدين المستقيم على جميع طاعة الله . وقال الحسن : الحنيف المخلص . قال الكلبى : الحنيف المسلم ، وليس ذلك خارجا عما ذكرنا من الميل عن الأديان إلى دين الإسلام ، وحنيفا حال من إبراهيم ، ولو كان مضافا إليه ، لأن المضاف مثل جزء المضاف إليه هنا قال ابن هشام : يجئ الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف بعضه ، نحو : أعجبنى وجهها مسفرة .