هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

150

الجزء ٢ · صفحة ٩٦

﴿ ومِنْ حَيْث خَرجْت فَولِّ وجْهَك شَطْر المَسْجِد الحَرَام وحَيْث ما كُنْتُم فَولُّوا وجوهَكُم شَطْره ﴾ : ذكر الأمة بتولية الوجه شطر المسجد الحرام أربع مرات تأكيداً لعظم شأن القبلة ، ولأن النسخ من مظان الفتن والشبهة ، ولا سيما أنه أول نسخ ظاهر بعد العمل به بين المؤمنين والكفار ، فكان حقيقا بالتكرير ، وأيضاً ذكره فى قوله : ﴿ فَلَنُولِّينك قِبلَةً تَرْضَاها فولِّ وجْهَك شَطْر المسْجِد الحَرَام ﴾ مقروناً بعلته وهى تعظيمه الرسول ، A ، بابتغاء مرضاته ، ومقرونا مع قوله : ﴿ وحيث ما كنتم . . إلخ ﴾ بفائدة هى أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر محمد وأمر القبلة حق فى التوراة والإنجيل ، وذكره فى قوله : ﴿ وحَيثُ ما كُنتم فَولُّوا وجُوهَكُم شَطْره ﴾ تصريحاً بأن حكم أمته حكمه ، ولينبه بعده أن لكل أمة قبلة تبعا لداعيها ، وهو نبينا بقوله : ﴿ ولكل وجهة ﴾ وذكره فى قوله : ﴿ ومنْ حَيْث خَرَجْتَ فَولِّ وجْهك شَطر المسجد الحَرَام ﴾ لينبه على تساوى السفر وغيره فى أمر القبلة بحسب الإمكان ، وليقرنه بشهادة الله أنه حق ، وشهادته مغايرة لشهادة أهل الكتاب ، وذكره فى قوله : ﴿ ومِنْ حَيْث خَرَجْت فَولِّ وجْهَك شَطْر المسْجِد الحَرَام وحَيْث ما كُنْتُم فَوَلُّوا وجُوهَكم شَطْره ﴾ ، لينبه على أن حكم أمته فى السفر حكمه كالحضر ، وأن المراد وحيث ما كنتم من السفر وغيره من الخروج ، وليقرنه بدفع حجج الكفار بقوله :

﴿ لئِلاَّ يَكُونَ للناس ﴾ : اليهود والنصارى والمنافقين ، أو جميعهم مع مشركى العرب ، أو قريش واليهود ، وقال الحسن مشركى العرب ، وقال مجاهد مشركى قريش .

﴿ عَلَيْكم ﴾ : أيها المؤمنون .

﴿ حجة ﴾ : فقرن كل مرة بعلتها كقرن المدلول بكل واحد من دلائله ، للتأكد كما هو شأن ما أريد تقريره وتقريبه للأفهام والقبول ، وزعم بعضهم أن قوله : ﴿ فَولِّ وجْهَك شَطْر المسْجِد الحَرَام وحَيْث ما كُنْتم فَولُّوا وجُوهَكُم شَطرَه ﴾ إشارة إلى حال كون الإنسان فى المسجد الحرام ، وقوله : ﴿ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرَام ﴾ إشارة إلى حال كون الإنسان فى البلد ، وقوله : ﴿ ومِنْ حَيثُ خرجت فَولِّ وجهَك شَطْر المسْجِد الحَرام وحَيْث ما كُنْتم فَولُّوا وجُوهكم شَطْره ﴾ ، إشارة إلى حال كون الإنسان خارجاً عن البلد ، والحجة المنفية فى قولهِ : ﴿ لئلاَّ يَكونَ للنَّاس عَليْكم حُجةٌ ﴾ يقول : إن اليهود والمنافقين تبع لهم ، والنصارى المنعوت فى التوراة والإنجيل قبلته الكعبة ، فلو لم يستقبلها لقالوا ليس المذكور فى التوراة والإنجيل ، لأن المذكور فيهما يستقبلها بعد أن يستقبل بيت المقدس ، وأن يقول اليهود إن محمداً يجحد ديننا ويتبع قبلتنا ، فيأمر باستقبال الكعبة لئلا يقولوا ذلك ، وأن يقول المشركون من العرب إنه لو كان نبيا لم يخالف قبلة أبيه إبراهيم ، وهى قبلة العرب قبلة حق .

﴿ إلاَّ الَّذينَ ظَلمُوا مِنْهم ﴾ : استثناء من الناس ، أى إلا الذين ازداد ظلمهم للمبالغة فى العناد ، لأن الناس المذكورين ظالمون ، فإن الذين ازداد ظلمهم لا تنتفى الحجة عليهم بذلك بالنظر إلى عنادهم ، فيقول اليهود والنصارى والمنافقون : انصرف عن بيت المقدس إلى الكعبة برأيه ، واشتياقاً لبلده ، وسيرجع إلى دين آبائه ، وتقول قريش ، انصرف لقبلة بلده اشتياقاً لبلده ، وعلما بأن ديننا حق فسيرجع إليه كما رجع لقبلتنا ، فهذه حجة هؤلاء المستثنين ، وسماها حجة من حيث إن المراد لا الذين ظلموا فلهم حجة ، لأنهم يسوقونها مساق الحجة كقوله :

٥٩٦ / ٧٬٦٨٠