178
الجزء ٢ · صفحة ١٧٠﴿ يَأيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا كُتبَ عَليْكُم القِصاصُ فى القَتلَى ﴾ : فرض عليكم القصاص ، وقرأ بعضهم فى جمع القرآن كتب بالبناء للفاعل وهو الله سبحانه وتعالى ، ونصب معا بعده فيقرأ بفتح الكاف والتاء ، ونصب القصاص ، ويقرأ كتب عليكم الصيام كما كتب بفتحهما ، أى كما كتبه وهكذا والقصاص المماثلة ، يقال : فلان يقص الأثر أى يتبعه ، فكأنه برؤيته يحدث آخر مثله ، وأيضا قد ماثله بخطواته إذا كانت إلى جهة الأثر الأول ، وقص الحديث ذكره مثل ما ذكر أولا ، فالمقتول يحجر يقتل بحجر ، والمقتول بعصى يقتل يعصى ، وهكذا . ويروى عنه A : المرء مقتول بما قتلِ به ، إن سيفا فسيف وإن خنجراً فخنجر ، فقيل على عمومه وقيل إلا النار والسم فلا يقتل بهما قالت بهما ، بل بالسيف وقتله بما قتل بهِ على العموم ، أو التخصيص ، قولنا وقول الشافعى ومالك ورواية عن أحمد بن حنبل ، وقال أبو حنيفة : من قتل بغير السيف قتل بالسيف ، وهو رواية عن أحمد ، والأول أوضح وأكمل فى الإنصاف والمماثلة التى هى القصاص ، ووجه القول الثانى أن أصل القتل بالسيف ، لأنهُ المعد للقتل وقطع الأعناق التى لا حياة بعدها ، وأنهُ مأخوذ من ساقه بمعنى أهلكه ، وإن القاتل سلك طريق القتل فسلكها كما سلكها القاتل ، والحديث المذكور خص فى الأول فهو راجح به قطعا ، والآية نص فى أن الواجب على القاتل القصاص ، وأما الدية فهى بدل عنهُ ، وبهِ قال أبو حنيفة والشافعى فى أوضح قوليه ، ولو عفا ولم يسمها فلا شئ ، وقيل كلاهما واجب على التخيير والواجب على التخيير يصدق عليه أنه واجب ، ولذلك قيل التخيير بين الواجب وغيره وليس نسخا لوجوبه ، ومعنى الوجوب أنه إذا أراد الولى القتل لم يمنع منه ولزم القاتل الانقياد له ، وإن أراد الدية لم يمنع منها بل لزم القتال أداءها ، وإن شاء الولى ترك القتل والدية معا ، والقول بوجوبهما قول آخر للشافعى ، واحتج أبو حنيفة بالآية إذا قال كتب ثم ترتب الدية على العفو فدل الترتيب على أنها إنما نحب بالعفو عن القتل فى القتل العمد ، فعلم أن القتل العمد يوجب القصاص فقط ، فبطل الاستدلال بأن الواجب على التخيير يصدق عليه أنه واجب ، فالقتل على قول أبى حنيفة مقتضى العمد وعلى القول الآخر هو أحد مقتضيه ومقتضاه الثانى هو الدية ، وإلا لما رتب الأمر بأدائها على مطلق العفو ، وتقدم آنفا بطلان استدلاله والقتلى جمع قتيل وألفه للتأنيث .
﴿ الحُرّ بالحرِّ والعبْدُ بالعبْدِ والأنثَى بالأُنثَى ﴾ : أى الحر يقتل بالحر والعبد يقتل بالعبد ، والأنثى تقتل بالأنثى ، فالخبر محذوف جواز ألأنه كون خاص . قال ابن هشام : ومما يخرج على التعليق بالكون الخاص قوله تعالى : ﴿ الحر بالحرّ والعبدُ بالعبدِ والأنثَى بالأنثَى ﴾ التقدير مقتول أو يقتل لا كائن اللهم إلا أن يقدر مع ذلك مضافان ، أى قتل الحر كائن بقتل الحر ، وفيه تكليف تقدير ثلاثة الكون ، والمضافان بل تقدير خمسة لأن كلا من المصدرين لا بد له من فاعل ، ومما يبعد ذلك أيضاً أنك لا تقدم معنى المضاف الذى تقدره مع المبتدأ إلا بعد تمام الكلام ، وإنما حسن الحذف أن يعلم عند موضع تقديره نحو