158
الجزء ٢ · صفحة ١١٨وروى عن ابن عباس وابن سيرين : أنه تطوع لا دم على تاركه ، وكذا روى عن مجاهد وعطاء كما هو قول ابن الزبير ، وروى عن أحمد : أن من تركه لا حج له ، وروى عنه أنه حج حجة ، ولا دم عليه تركه عمداً أو سهواً ، ولكن لا ينبغى أن يترك ، ونقل الأكثرون عنه أنه تطوع . والصحيح عندى وجوبه لقول عائشة لابن الزبير : لو كان غير واجب كما قلت لقال ألا يطوف بهما ، وتقدم ذلك ، وتقدم أن قراءة عبدالله ابن مسعود ألا يطوف شاذة أو أن لا زائدة ، ولقول حبيبة إحدى بنى عبدالدار : دخلت مع نسوة من قريش داراً لبنى حسين ننظر إلى النبى ، A ، وهو يسعى بين الصفا والمروة ، فرايته يسعى وأن مئزره ليدور من شدة السعى ، حتى لأقول إنى أرى ركبته ، وسمعته يقول : « اسعوا فإن الله كتب عليكم السعى » رواه الشافعى بسنده ، وصححه الدارقطنى ، ولرواية مسلم عن جابر فى حديثه الطويل فى صفة حجة الوداع قال : ثم خرج من الباب إلى الصفا ، فلما دنا من الصفا قرأ : ﴿ إن الصَّفا والمَرْوَة منْ شَعائر الله ﴾ أبدأ بما بدأ الله ، فبدأ بالصفا . فإذا ثبت أن النبى ، A ، سعى وجب علينا السعى ، لقوله تعالى : ﴿ فاتَّبِعُوه ﴾ ، ولقوله A : « خذوا عنى مناسككم » والأمر للوجوب ، ومن القياس أن السعى أشواط شرعت فى بقعة من بقاع الحرم ، ويؤنى فى إحرام ، فكان ركناً كطواف الزيارة . وعن أنس : كان السعى بينهما ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل ، وعن جابر بن عبدالله الأنصارى ، صاحب النبى ، A ، أنهُ قال : لا حج لغريب ولا لقريب إلا بطواف بين الصفا والمروة . وسأل جابر بن عبدالله : هل تحل النساء للرجال قبل الطواف بين الصفا والمروة؟ فقال : لا . أما من كان من أهل الآفاق فإنه يطوف بينهما قبل أن يأتى منى ، وأما من كان من أهل مكة فبعد ما يرجع من منى . وعن عطاء : أهل مكة يبدوءون بمنى ، وأهل الآفاق يبدءون بالطواف . واختار ابن العربى أنهُ فرض كذلك ، وحجة من قال إنه غير واجب قوله تعالى : ﴿ فلا جُنَاح ﴾ فإن مثل هذا يقال فى غير الواجب ، وقوله عز وعلا : ﴿ ومَنْ تطوعَ خيراً ﴾ قال مجاهد : يعنى من تنقل بالسعى وأدخله فى حجه أو عمرته ، وأجيب بأن نفى الجُناح صادق فى الواجب والمندوب والمباح ، وصادق بالجائز المقابل للمنوع والجائز المقابل للممنوع صادق بالواجب وغير الواجب ، فلا يكون دليلا على عدم الوجوب ، وبأن تطوع الخبر مراد به سائر العبادات النافلة ، كصلاة نفل وصومه وحجه وعمرته وصدقته وطوافه بالبيت ونحو ذلك . قاله الحسن ، وهو الأولى من قول مجاهد ، أن المراد زاد فى الطواف بعد الواجب .
﴿ ومَنْ تطوَّع خَيْراً ﴾ : عالج طاعة واكتسبها فرضا كانت أو نفلا ، وليس التطوع مختصا بالنفل ، كما يستعمل فى عبارات المصنفين ، أو عالج طاعة زائدة على ما وجب عليه من حج أو عمرة أو طواف أو عالج نفلا بالسعى ، كما مر عن مجاهد ، وعلى كل فالنفل للعلاج .