184
الجزء ٢ · صفحة ١٨٨﴿ أياماً مَعْدُودَاتٍ ﴾ أى أياما قليلة ، فإن من شأن القليل فى الجملة العد ، والكثير يجازف به مجازفة ، ونكته ذكر ذلك تسهيل الصوم عليهم بأنه قليل ، واستشعار حضور انقضائه ، ما لكم لا تصومون وهو قليل . والنصب على الظرفية بمحذوف أى صوموا أياماً معدودات ، دلّ عليه لفظ الصيام ، وقيل مفعول لصوموا محذوفا ، ولا ينصب بالصيام للفسل بينهما ، وإعمال المصدر المقرون بأل فى الظرف والمجرور جائز ، وإنما اختلف فى إماله فى الفاعل والنائب والمفعول به . والمراد بالأيام المعدودات شهر رمضان ، أو ما وجب صومه قبل نزول فرض رمضان ، ثم نسخ برمضان ، وهو عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر : الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر .
قال ابن عباس رضى الله عنهما : أول ما نسخ بعد الهجرة أمر القبلة ، ثم الصوم ، وروى البخارى ومسلم عن عائشة قال : كان يوم عاشوراء تصومه قريش فى الجاهلية ، وكان رسول الله ، A ، يصومه فى الجاهلية ، فلما قدم رسول الله - A - المدينة صامه وامر بصيامه ، فلما فرض رمضان ترك عاشوراء ، فمن شاء صامه ومن شاء تركه ، وبهذه الألفاظ رواه الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة ، إلا أنهُ قال كان يوم عاشوراء يوما تصومه إلخ ، وقال : فلما قدم المدينة وزاد بعد قوله : ومن شاء تركه ، ولكن فى صيامه ثواب عظيم ، وقيل المراد بالصيام : صيام عاشوراء والأيام الثلاثة ، وبقوله : ﴿ أياماً معْدُوداتٍ ﴾ شهر رمضان ناسخ للصيام المذكور ، والصحيح أن المراد بالصيام والأيام جميعا هو رمضان فلا نسخ هنا ، وإذا قيل المراد بالصيام والأيام هو عاشوراء والأيام الثلاثة ، فالناسخ ما يذكر بعد ذلك من رمضان ، ولا يصح تعليق ﴿ أياما ﴾ بكُتِب اأول ولا الثانى ، لأن الكتب فى الأزل ، وإن اعتبرنا كتبا آخر مطابقا لكتب الأول واقعا فهو أيضاً قبل تلك الأيام المعدودة ، فليست الأيام المعدودة ظرفا للكتب ، بل ظرف للصوم المكتوب ، ولا يصح أن يكون ﴿ أياما ﴾ مفعولا ثانيا لكتب الأول ولا الثانى ، على الموسع بالتشبيه بالمفعول به ، لما ذكرت لك أن الأيام ليست ظرفا للكَتْب ، وقيل ﴿ أياما ﴾ تمييز والمعنى صومكم كصومهم فى عدد الأيام ، كما قال صاحب الوضع رحمُ الله على الذين من قبلكم ، يعنى لانصارى ، وذكر أن النصارى فُرِض عليهم صوم شهر رمضان فشق عليهم صيامه ، لأنهُ ربما أتاهم فى الحر الشديد ويضرهم فى أسفارهم وطلب معايشهم ، فاجتمع رأى رؤسائهم وعلمائهم على أن يجعلوا صومهم فى فصل من النسة بين الشتاء والصيف ، وزاد فيه عشرة أيام كفارة لما صنعوا ، فصار أربعين يوما ، ثم إن ملكهم اشتكى فمه فنذر لله إن هو برئ من مرضه أن يزيد فى صومهم أسبوعا ، فلمابرئ من مرضه زاد فى صومهم أسبوعا ، فمات ذلك الملك ، فوليهم ملك آخر فقال لهم : أتموه خمسين يوما ، فصاروا يصومون خمسين يوما .