186
الجزء ٢ · صفحة ٢٠٨﴿ وإذا سَألَكَ عِبادِى عَنِّى فإنِّى قَريبٌ ﴾ : روى أن أعرابيا قال لرسول الله ، A ، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فننادية؟ فنزلت الآية . وظاهر هذا أن المراد : إذا سألك عبادى عن قربى إليهم ، أو بعدى . وقيل : إن الصحابة سألوا رسول الله A فى أى ساعة ندعو ربنا؟ فنزلت الآية . وظاهر هذا أن المراد إذا سألك عبادى : أىّ وقت أقرب للإجابة . قويل : إن بعض الصحابة الحديثى العهد بالإيمان ، قالوا لرسول الله A : أين ربنا؟ فنزلت الآية . والمعنى وإذا سألك عبادى عن مكانى ، فإنى متعال عن المكان متنزه عنه ، ولكنى قريب إلى كل شئ . وعن ابن عباس رضى الله عنهما : قال يهود المدينة : يا محمد كيف سمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام ، وأن غلظ كل سماء مثل ذلك؟ فنزلت الآية . والروايتان السابقتان أولى ، لأن أضافة العباد إلى نفسه مع قوله : ﴿ إنى قريب أجيب ﴾ الآية . تدل على اللطف والرحمة ، ولا يناسبها هؤلاء الكفرة المغضوب عليهم .
وأما قوله تعال : ﴿ يا عِبادىَ الَّذِينَ أسْرفُوا ﴾ فجلت للمسرفين وتحبب إليهم لئلا ييئسوا ، والأكثر على الروايتين السابقتين ، ويناسبهما ما ذكر بعض أن موسى صلى الله على جميع الأنباء قال : يا رب . أقريب لأأنت فأناجيك أم بعيد فأناديك؟ فأوحى الله إليه : أنا عند ظن عبدى ، وأما معه إذا دعهانى ، ويقرب منهما ما قيل : لما نزل قوله تعالى : ﴿ ادْعُونى أسْتَجبْ لكُم ﴾ فقال رجل : كيف ندعو يا رسول الله؟ أى أنجهر أم نخافت؟ فأنزل الله جل وعلا : ﴿ وإذا سَألكَ عِبادِى عنِّى فإنِّى قريب أجيب دعوة الداع ﴾ ورواية الحسن البصرى أن قوما قالوا للنبى A : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزلت الآية . وروى أن الآية نزلت فى الذين جامعوا ليلة الصيام بعد النوم وبعد صلاة العشاء ، وكان ذلك حراءاً ونسخ . وروى البخارى ومسلم عن أبى موسى الأشعرى ، لما غزا رسول الله A خيبرا وقال توجه إلى خيبر أشرف الناس على واد ، فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر لا إله إلا الله . فقال رسول الله A : « أيها الناس أربعون على أنفسهم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً بصيراً قريباً وهو معكم » « ومعنى أربعون على أنفسكم : أرفقوا بها أو كفوا عن الجهر ، وإن قلت . الله قريب سواء سألوا أم لم يسألوا فكيف قال : ﴿ وإذا سألك عبادى عنى ﴾ ؟ قلت : الجواب محذوف تقديره : فقل إنى قريب ، ومقتضى فقل إنه قريب لكن جئ بضمير التكلم تأكيداً فويه الالتفات . وإن قلت : ما معنى قربه تعالى؟ قلت : ذلك كناية أريد فيها لازم المعنى ، ومحال إرادة المعنى ، لأنه تعالى لا يوصف بالحلول ولا بالحتواء ، ولا بالتحيز والقرب الحقيقى متضمن ذلك كله ، فليس مراداً ، لكن المراد لازمه فى الجملة ، وهو العلم بحال العبد ، وقوله وفعله .