164
الجزء ٢ · صفحة ١٢٨وإنما جمع السماء وأفرد الأرض لأن كل سماء أفضل من السماء ( التى ) تحتها فى ذاتها ، ومخالفة لها بالحقيقة ، فإن بعضا موج مكفوف ، وبعضاً فضة ، وبعضاً ذهب وغير ذلك ، بخلاف الأرض فإنهن من جنس واحد مستو وهو التراب ، فناسب فيهن الإفراد لفظاً ، ولو كان المراد جنس الأرض أو ناسب ذكر الأرض الواحدة المشاهدة فقياس عليها غيرها ، وأيضا لم يجمع الأرض لثقل وهو أرضون وأراض ، وقالت الحكماء الأرض طبقة واحدة لا سبع أرضين ، فلذلك على هذا لم تجمع بخلاف السماء ، والحق أنهن سبع أيضاً كما يدل عليهِ القرآن أنهن سبع وأن غلظ كل واحدة خمسمائة عام ، وبينها وبين ما تحتها خمسمائة عام ، وقدم السموات لأنهن أفضل بالوحى والملائكة والعرش والكرسى والجنة والعبادات الكثيرة التى لا يفتر عنها .
﴿ واختِلافِ اللَّيل والنَّهارِ ﴾ : بالظلمة والنور . والذهاب والمجئ . والزيادة والنقصان ، والطول والقصر اللازمين عن الزيادة والنقصان ، والإراحة فى الليل بالنوم ، والكف عن العمل ، والإقدار عن العمل نهاراً ، وذلك هو الآية فى اختلاف الليل والنهارن وذلك كقوله D : ﴿ فمحونا آيةَ الليْل وجعَلْنا آية النَّهار مُبْصرة ﴾ ، وقوله تبارك وتعالى : ﴿ لِتسْكُنوا فيه ولتَبتغُوا من فَضْله ﴾ ، وقوله تبارك وتعالى : ﴿ وجَعَل لكُم اللَّيل لباساً والنَّوم سباتاً ﴾ ، وقوله سبحانه وتعالى : ﴿ جَعَل اللَّيلَ والنَّهار خِلْفَةً ﴾ ، وقوله : ﴿ يُولج اللَّيل فى النَّهار ويُولج النَّهارَ فى اللَّيل ﴾ ، وقدم الليل لأن الظلمة أصل والنور عارض فيها بالشمس والقمر والنيرات ، والنهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، يقتضى بذلك قول النبى ، A ، لعدى بن حاتم : ﴿ إنما هو بياض النهار وسواد الليل ﴾ ، وقيل النهار من النتشار ضوء الشمس فى الطرق قبل ظهورها إلى غروبها ، وقال الزجاج : أول النهار ذرور الشمس ، وقال النظر بن شميل : أوله ابتداء طلوعها فى أفق السماء فى الجانب الغربى ، وما ذكره النبى ، A ، هو الحق ، واختلفوا فى الإيمان فقيل ترجع إلى النوى وقيل إلى العرف . وقيل إلى اللغة .
﴿ والفُلْكِ ﴾ : عطف على خلق فى قوله جل وعلا : ﴿ إنَّ فى خَلْق السَّموات ﴾ ، لا على السموات ، لأن المراد هنا الاستدلال بنفس الفلك لا بخلقها .
﴿ الَّتى تَجْرى فى البَحْر ﴾ : الفلك واحدة السفن وأل فيه للجنس ، فيشتمل كل سفينة فهى للحقيقة أو للاستغراق ، ويجوز أن يكون جميعاً للفلك التى هى واحدة ، فإنه لفظ يستعمل للمفرد والجمع ، فضمة فائه وسكون لامه مفرداً غيرهما إذا كان جمعاً ، ويجوز أن يكون الفلك بإسكان اللام مخفف فلك بضمها كالفاء ، والفلك بضمهما جمع فلك بفتحهما أو مفرد . فإن الفلك أيضا بضمتين يستعمل جمعاً ومفرداً ، وضمتاه حال الجمع غيرهما حالة الإفراد وذلك هو التحقيق ، وليس كما قيل إنما توافق فى المفرد وجمعه من حركة وسكون هو شئ واحد ، وقرئ والفلك ( بضم الفاء واللام ) وعلى الجمعية فى ذلك فالإفراد فى التى ، وتجرى بتأويل الجماعة ، وعلى الإفراد ، فالتأنيث فى التى تجرى ، لأن الفلك الواحد بمعنى السفينة ، ووجه الدلالة فى الفلك أنها مع ثقلها بنفسها ومما حمل فيها ، أو بما ملئت به تجرى فى الماء ، ولا تغرق فيه مع رقته ولطافته ، وقوة الموج وهيجانه ، وتجرى بالريح مقبلة ومدبرة ، ولم يذكر الدلالة بالبحر مع أنه عجيب ، بل بالسفينة لأن جريان السفينة فيه مع ذلك بالريح أعجب ، ولأن السفينة سبب الخوض فيه والاطلاع على عجائبه ، وفى ضمن ذلك استدلال بالبحر ، إذ حمل السفينة مع ذلك ، وسمى بحراً لاتساعه ، وتقدم كلام فى ذلك ، وقدم البحر والسفينة على ذكر المطر والسحاب لأنهما ينشآن من البخر غالبا .