164
الجزء ٢ · صفحة ١٣١أعنى تزيل ضيقاً من هَمّ أو من حرارة أو غير ذلك ، لأنها من الترويح بالواو ، وإنما قيل رياح بالياء بكسر الراء فلا يقال أرياح لزوال الكسرة ، بل أرواح ، واستعمل عمارة بن عقيل ابن بلال بن جرير الأرياح فى شعره ولحن فى ذلك ، وقال له أبو حاتم إن الأرياح لا يجوز ، فقال : أما تسمع قولهم أرياح . فقال أبو حاتم : هذا خلاف ذاك ، فقال : صدقت ورجع . قال ابن عباس : أعظم جنود الله الريح ، قيل ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم ، أو إسقام صحيح ، قيل البشارة فى ثلاث : رياح ريح الصبا وريح الشمال وريح الجنوب ، وأما ريح الدبور فهى الريح العقيم التى أهلكت بها عاد ، فلا بشارة فيها ، قال الشيخ هود : الجنوب فيما بلغنا من مطلع الشمس إلى مطلع سهيل ، والشمال من مغرب الشمس إلى بنات نعش ، والصبا من بنات نعش إلى مطلع الشمس ، والدبور من مغرب الشمس إلى مطلع سيهل . انتهى .
وقيل القبول وهى الصبا من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار ، والدبور تقابلها ، والشمال هى التى تهب من جانب القطب ، والجنوب تقابلها والريح التى تأتى من غير مهب صحيح تسمى نكباء ، وجاءت الريح فى القرآن جمعاً فى الرحمة مفردة مع العذاب إلا قوله تعالى : ﴿ وجرين بهم بريح طيبة ﴾ وإنما أفردت فيه مع أنها رحمة ، لأن الريح اللائقة بالسفن هى الواحدة المتصلة من جانب واحد ، وذلك أغلب وقوع الريح ، والرياح فى سائر الكلام ، وكان ، A ، إذا هبت ريح يقول : « اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً » وذلك أن ريح الرحمة تجئ متقطعة لينة من ها هنا وها هنا ، وريح العذاب متصلة ملتئمة من جهة واحدة ، كأنها جسم واحد ، والاستدلال بتصريف الرياح لأن الريح جسم لطيف لا جسم ألطف منه غير الهواء ، أعنى الجو ، لا يمكن أن تمسكها أولا تراها ، ولا أن تحبسها فى موضع ، ومع ذلك تقلع الشجر الغليظ والصخر والبناء القوى المحكم ، ويصرفها الله جل وعلا كصرفك ما بك ، وإن قلت فإنى أراها . قلت : الذى تراه هو ما حملته من تراب لا هى ، ومع ذلك لو أمسكها الله طرفة عين لمات كل ذى روح ، وأنتن ما على وجه الأرض ، وأنتنت الأرض . وقرأ حمزة والكسائى وتصريف الريح بالإفراد ، وكذا قرأ فى الكهف والجاثية . وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائى فى الأعراف والنمل ، والثانى من الروم وفاطر بالإفراد ، والباقون بالجمع وحمزة فى الحجر بالإفراد والباقون بالجمع ، ونافع فى إبراهيم والشورى بالجمع والباقون بالإفراد .
﴿ والسَّحاب المسَخَّر بيْن السَّماء والأرض ﴾ : عطف على خلق ، أى وفى السحاب المسخر ، أو على الرياح ، أى وتصريف السحاب ، وسمى سحاباً لسحبه فى الهواء ، وقيل بحر بعضه بعضاً ، والمسخر المذلل ، سحره الله جل وعلا للرياح تذهب به حيث شاء الله ، ويمطر حيث شاء الله ، أو شخره الله تعالى فتماسك مع أن طبعه إما أن ينزل أو يصعد أو ينكشف ، لأن الشئ إذا كان متضاما كثيفا فطبعه النزول ، وإن لطف وخف جدا اقتضى طبعه الصعود ، وإن توسط بين ذلك تفرق للجوانب وزال عن موضعه والآية فى ذلك أن السحاب مع حمله المياه العظيمة التى تسيل بها الأودية تتعلق بين السماء والأرض ، ويسير بسرعة كالشئ المسحوب .