164
الجزء ٢ · صفحة ١٣٠﴿ فيها من كلِّ دابَّة ﴾ : أى فرق ونشر فيها جماعة من كل نوع من أنواع الدابة ، فمفعول بث محذوف تقديره جماعة أو فرقة ، أو إفرادا . والدابة : الجنس . قال ابن عباس : يريد كل ما دب على وجه الأرض من جميع الخلق من الناس وغيرهم ، وذلك أن الدواب ينمون بالخصب والمطر ، ويعيشون ، ووجه الآية أنزل الماء الذى لا يتماسك من جهة العلو وتكوين النبات به ، وعمارة الأرض بالحيوان بسبب الماء والنبات ، وتأثير الماء والنبات فى الحيوان كله مع اختلاف أنواعه وألوانه وصفاته وأشكاله وطبائعه وأصواته ، ورجوع كل نوع إلى أصل واحد كالناس إلى دم والجمال والنوق إلى أصلهما ، وجملة ( بث ) معطوفة على جملة أنزل الله ، أو جملة ( أحيا به ) إن لم نجعل ( ما ) موصولا اسمياً حرفيا ، فلا يحتاج إلى عائد فى صلته فضلا عن أن يحتاج إليه فيما عطف على صلته ، والمعنى على كونها حرفية وإنزال كل نوع من أنواع الدواب ، وإن جعلنا ما اسما لم يصح عطف بث على أنزل الله ، لأن الله صلة وعائدها محذوف منصوب ، أى وما أنزل لله ، والمعطوف على الصلة صلة فيحتاج لعائد ، كما احتاجت الصلة المعطوف عليها ولا عائد فيها فلم يصح عطفها على الصلة ، وإن قلت : تقديره وبث به أى أنزل من الماء بدليل فأحيا به . قلت : لا يجوز لأنك قدرته مجروراً ، وشرط تقديره مجروراً كون الموصول مجروراً بمثل جاره متعلقاً بمثل متعلقه ، وهذا الشرط غير موجود هنا ، اللهم إلا إن اغتفر فى التابع ما لم يغتفر فى المتبوع ، والكلام فى عطفه على ( أحيا ) كذلك ، لأن ( أحيا ) معطوف على أنزل الله فكأنه صلة ، ولذا ربط بالهاء من به ، والمعطوف على ما عطف على الصلة كالمعطوف على الصلة ، واختار أبو حيان أن يكون المعطوف موصولا محذوفاً يعطف على الموصول ، أى ما بثه فيها من كل دابة لفهم المعنى ولزيادة الفائدة وهو جعله آية مستقلة ، قال وحذف الموصول شائع فى كلام العرب ، قال ابن هشام : أجاز الكوفيون والأخفش وابن مالك حذفه ، واشترط فى بعض كتبه عطفه على موصول مذكور ، وإذا كان العطف لبثٍّ على ( أحيا ) فالاستدلال يكون بأل الدواب تنمو بالخصب وتعيش بالمطر ، وإذا كان على ( أنزل ) فنزول المطر وتولد النبات به ونشر الحيوانات .
﴿ وتَصْريفِ الرِّياحِ ﴾ : تقليبها من موضع إلى آخر ، ومن حال إلى أخرى كحرارة إلى برودة وبرودة إلى حرارة ، ومن لين إلى شدة ، ومن شدة إلى لين ، ومن عقم ، إلى لقح ومن لقح إلى عقم ، ومن رحمة لعذاب ، ومن نصر لإذلال ، ومن إذلال لنصر ، ومن عذاب لرحمة ، وسميت ريحاً لأنها تريح .