هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

212

الجزء ٢ · صفحة ٣٠٧

قال الله تعالى : ﴿ إنَّ الَّذِينَ أجْرَموا كانْوا مِنَ الَّذِينَ آمنَوُا يُضْحَكُون ﴾ وقال : ﴿ فاليْومَ الذينَ آمنَوُا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكْون ﴾ ويجوز أن يكون المعنى نعيم الذين اتقوا فى الآخرة فوق نعيم الكفار فى الدنيا ، والفوقية حقيقة فى الوجه الأول مجازية فى غيره ، متعلق بما تعلق به فوق من نحو ثابتون ، أو ثبتوا ، ومن أراد ذلك الخير فليقتد برسول الله A فى رفض الدنيا وجاهها ومالها وملاذها ، واقتصاره منها لنفسه وعياله على ما تدعو الضرورة إليه ، فهو يشتمل ويكتسى بالخشن ، وقد أجيبت إليه الأخماس ، وأهدت إيله الملوك وأغنى بذلك غيره وقوى به المسلمين ، ومات A ودرعه مرهونة فى نفقة عياله .

قال حارثة بن وهب : سمعت رسول الله A يقول : « ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره ، ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ جعظرى مستكبر » العتل : الفظ الغليظ الشديد فى الخصومة الذى لا ينقاد لخير ، والجواظ : الفاجر المختال فى مشيه ، وقيل القصير البطن ، والجعظرى : من يمتدح بما ليس فيه ، أو عنده . وعن أسامة بن زيد ، عن النبى A : « قمت على باب الجنة فاذا عامة من دخلها المساكين وأصحاب الْجَدُ محبوسون ، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار ، وأقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء » والجد - بفتح الجيم - كثرة المال .

﴿ وَالله يْرزُقُ مَنْ يِشاءُ بِغَير حِسابٍ ﴾ : بغير تضييق فى الرزق ، كما يحاسب صاحبه من يضايق عليه فى أمر ، والمراد والله أعلم أن يوسع على المؤمنين بالجنة فى الآخرة ، وبأن يورثهم أموال الكفار الذين يسخرون منهم فى الدنيا ، ويملكهم أيضاً رقابهم بالأسر والفداء والاستعباد ، ويجوز أن يريد أنه يوسع الرزق على من يشاء من الكفار استدراجاً وجزاءً فى الدنيا على ما عملوا ، من نحو صلة الرحم وإغاثة الملهوف ، وعلى من يشاء من المؤمنين لطفاً ورحمة بهم ، ويجوز أن يريد الكفار ، لأنهم فاخروا بأموالهم ، فأخبرنا الله أنه يرزق من يشاء من الكفار رزقاً واسعاً ، وذلك استدراج ، ولو كان المال كرامة لأعطاه المؤمنين خاصة ، ولم يعطه قارون المخسوف به وبماله ، وليس توسيع الرزق ينقص مما عند الله ، كما ينقص ما فى يد العباد المتحاسبين ولا يخلو مخلوق من حساب فيما يعطى ، ولو فاق جوده جود خاتم ، وعن ابن عباس معناه : يعطيه كثيراً وما يدخله الحساب قليل ، وذلك فى الدنيا ، وقيل بغير أن يحاسبه فى الآخرة بما أعطاه فى الدنيا ، وقيل من حيث لا يحتسب وقيل من غر أن نفرق بين المستحق وغيره ، وقيل بدون حساب من يخلف النفاد ، لأن خزائنه لا تنفد ، وقيل من غير أن يحاسبه أحد لم أعطيت هذا وحرمت ذاك ، ولم أعطيت هذا ما لا يحتاج إليه وحرمت ذاك ما يحتاج ، وقيل يعطيهم فى الجنة قدر أعمالهم ثم يتفضل ، والتفضل هو الذى بغير حساب ، إذ لم يعتبر فيه ما فى أجر العمل مما يستحق العمل .

٨٠٧ / ٧٬٦٨٠