211
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٤﴿ سَلْ ﴾ : يا محمد أو يا من يتأتى منه السؤال .
﴿ بَنِى إسْرائيلَ ﴾ : سؤال توبيخ وتقريع زاجراً عن الإعراض عن الحق ، أو سؤال تقرير تذيراً للنعم التى أنعم الله بها على سلفهم أو عليهم أو على الكل .
﴿ كَمْ آتيْناهُم مِن آيةٍ بَيِّنةٍ ﴾ : الجملة مفعول به لسل لتضمنه معنى قل ، أو مفعول لمحذوف ، أى قائلا لكم كم آتيناهم من آية بينة ، وهذا المحذوف حال ، وفيها التفات على طريق السكاكى إلا مقتضى الظاهر أن يقال : كم آتاكم الله بلفظ الغيبة ، وكم : خبرية أو استفهامية فيم قيل ، وهو صحيح على جعل الجملة مستأنفة من كلام الله تعالى ، لا معمول للسؤال ، ولا لقول مقدر كأنه قيل : سلهم عما آتيناهم من الآيات البينات ، ثم استأنف استفهاماً توبيخاً أو تقريرياً أو إخباراً تكثيريا ، وأما على أ ، ها مفعول لسل أو للقول ، فيتعين الاستفهام ، وكم مفعول مقدم لآتيناهم أول والهاء مفعول ثان أو بالعكس ، على ما بينته فيما مضى ، ويضعف كون كم مبتدأ لاستلزامه حذف الرابط ، حيث أوهم حذفه المفعولية أى كم آتيناهم إياها باعتبار معناه ، فإنه واقع على الآية البينة ، فان قوله : ﴿ من آية بينة ﴾ بيان لكم نعت له ، ثم رأيت ما ذكرته من كون كم لا تكون ألا استفهامية على جعل الجملة مفعولا لسل ، نصاً لغيرى ، ولفظه جعل كم خبرية ليس بجيد ، لأن فيه اقتطاعاً للجملة التى هى فيها من جملة السؤال ، إذ لم يذكر فياه المسئول عنه ، بل أخبر عنه بعده بأنا آتيناهم كثيراً من الآيات ، ولكن قال السعد : معنى السؤال على كونها خبرية سؤالهم عن حالهم وفعلهم فى مباشرة أسباب التقريح إلخ . . وليخ ما ذكره السعد مسوغاً لجعلها خبرية واقعة فى السؤال . وقد ظهر لى الآن مسوغ لذلك ، هو أن يسمى الإخبار بكم فى التكثير استفهاماً للمشابهة ، أو تجل الجملة مقولا لقول غير مفسر للسؤال ، بل لقول مفيد ما لم يقصد بالسؤال ، أو مؤكدا له فى المعنى ، كأنه قيل سلهم عن الآيات وقل لهم أيضاً على جهة الإخباركم آتيناهم ، والآية البينة معجزات موسى عليه السلام كالعصى واليد البيضاء وفلق البحر وإنزال المن والسلوى وغير ذلك ، فإن إيتاء ذلك لأسلافهم إيتاه لهم ، ويجوز أن تكون الآية ما يشهد على الحق ، والصواب فى التوراة وغيرها من رسالة سيدنا محمد A .
﴿ مَنْ يُبدِّل ﴾ : وقرئ بإسكان الباء وتخفيف الدال .
﴿ نِعْمةَ اللّهَ مِنْ بَعْد ما جاءتْهُ ﴾ : وصلته وعرفها أو لم يعرفها ، لكنه تمكن من معرفتها ، وتبديلها تركها ، وهى الآيات البينات ، سماهُنَّ نعمة لأنهن سببب الهدى الذى هو أجل النعم ، أو لأنهن سبب للجنة ، فمن تركهن فقد بدلهن بما يحبه من المعاصى والضلال ، أو بدلها بالنار ، وإذا كان المراد بالنعمة الآيات فلفظ نعمة ظاهر وضع موضع المضمر ، فمقتضى الظاهر : ومن يبدلها من بعد ما جاءته فعبر عنها بلفظ نعمة إيذاناً بأنها نعمة ، ولزيادة التقريع ولا يلزم فى وضع الظاهر موضع المضمر ، كونه بلفظ الأول ، وفى الآية تعريض بأانهم بدلو النعمة ، ففى الكلام حذف تقديره كم آتيناهم من آية بينة فبدلوها ، ومن يبدل نعمة الله الآية ، ويجوز أن يكون المراد يبدلها يجعلها سبباً للضلالة وزيادة الزجر وأن يكون المراد تبديلها بالتحريف والتأويل الزائغ ، وقيل : المراد بنعمة الله عهده الذى عاهد إليهم ، وتبديلها عدم الوفاء بها ، ويجوز أن يكون المراد بها سائر نعم الدنيا من مأكول ومشروب وملبوس ، ومركوب ، وصحة غير ذلك وتبديلها كفرانها المسبب لزوالها ، وللانتقام أو تبديلها التوصل بها إلى عذاب النار ، إذ لم يشكروها ، ويجوز أن يراد بالنعمة ذلك كله ، وقال بعض نعمة الله لفظ عام لجميع إنعامه ، ولكن يقوى من حال النبى A معهم أن المشار إليه هنا هو محمد A ، فالمعنى : ومن يبدل من بنى إسرائيل صفة نعمة الله ثم جاء اللفظ منسحباً على كل مبدل نعمة الله ، ويدخل فى اللفظ كفار قريش والتوراة أيضاً نعمة على بنى إسرائيل فبدلوها بالتحريف لها ، وجحدوا أمر محمد A .