208
الجزء ٢ · صفحة ٢٩٩﴿ يا أيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا ادْخُلُوا فى السِّلْمِ ﴾ : بفتح السين عند نافع وابن كثير والكسائى ، وبكسرها عند الباقين ، وهى : الصلح ضد الحرب ، فمن زاغ فى فعل أو قول أو اعقاد عن أمر الشرع فقد حارب وخرج عن الصلح ، فإن السلم : إما الصلح الذى هو ترك القتال وإثبات الأمن والعافية ، وإما الصلح الذى هو الوقوف مع أحكام الشرع ، والمراد هنا كلاهما أو الثانى والأول مفهوم بالأولى ، فكذا الحرب هو القتال أو الخروج عن أحكام الشرع ، ولذلك يطلق السلم : على الانقياد والطاعة ، وعلى الإسلام ، ويجوز تفسير الآية بهما منأول مرة أو بالإسلام ، وقد فسره بهما الزمخشرى إذ قال : السلم بفتح السين وكيرها ، وقرأ الأعمش بفتح السين وللام وهو الاستسلام لله ، أى استسلموا وأطيعوه ، فجعله القاضى أصلا فى الاستسلام والطاعة ، فرعاً فى الصلح والإسلام .
﴿ كافَّةَّ ﴾ : خال من واو ادخلوا ، أى ادخلوا فى السلم حال كونكم جماعة واحدة ، لا يختلف منكم أحد ، والخطاب للمؤمنين ، أمرهم بالدوام على ما هم عليه وعدم خروجهم أو خروج بعضهم إلى بعض عداوة حسية ، أو فتنة دين ، فيه زجر لعبد الله بن سلام عما أراده من الثبوت على بعض أحكام التوراة ، لأن منهما ما نسخ بالإنجيل ، وما نسخ بالقرآن ، وما حرفه اليهود ، وما زادوه ، وفيها نقصان منهم ، وما بقى سالما منها فى التسمسك به وإشهاره تدرع إلى العمل بما نسخ ، وما زيد وما حرف منها ، وما نقص بعضه وبقى معطلا ، وإلى الإعراض عن القرآن وتركه ، أو ترك بعضه ، وكذا أشباه عبد الله بن سلام ، فأمره الله مع جميع المؤمنين أن يتفقوا ولا يخرج بعضهم عن القرآن إلى التوراة ، ولا إلى غيرها . روى أن عبد الله بن سلام استأذن رسول الله A أن يقيم على السبت ، وأن يقرأ من التوراة فى صلاته من الليل ، ولذلك قال بعضهم كما روى ابن عباس : الخطاب لمؤمنى أهل الكتاب ، فإنهم بعد إسلامهم عظموا السبت وحرموا الإبل وألبانها .
وإن قلت : كيف صح أن يكون كافة ، وهو مفرد مؤنث ، حالا من الواو؟ قلت : صح كافة بمعنى عامة ، أو لتأويل جماعة كافة ، وذلك أن العامة أو الجماعة يكف بعضها بعضاً عن التفرق ، أو لأن التاء ليست للتأنيث بعد النقل من الوصفية إلى الاسمية ، ورائحة الوصفية تكفى فى جواز النعت ، فلا برد اعتراض أبى حيان بأن تاء كافة ليست للتأنيث ، ويجوز أن يكون حالا من السلم ، والسلم يؤنث ويذكر ، قال العباس بن مرداس السلمى يخاطب أبا خراشة خفاف بن ندبة :
أبا خراشة أما لأأنت ذا نفر … فإن قومى لم تأكلهم الضبع
السلم تأخذ منها ما رضيت به … والحرب يكفيك من أنفساها جرع