192
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٦﴿ فإنِ انْتَهُوا ﴾ : عن الشرك والقتال ، ولا يصح أن يكون الانتهاء أداء الجزية كما قيل ، لأن اداءها غير مشورع لمشركى العرب ، بل يسلمون أو يقتلون .
﴿ فإنَّ اللّهَ غَفورٌ رَحيمٌ ﴾ : يمحو ذنوبهم ، وينعم عليهم بالجنة ، فهذا جواب الشرط . وإن فسرنا الغفران والرحمة بالعامين لكل تائب ، فالجواب محذوف تقديره : فإن انتهوا لم يضرهم ما تقدم منهم ، وهذا نائب الجواب تعليل لهُ أى لأن الله غفور لكل من تاب ، رحيم له ، وزعم بعض أن المراد فاعفوا واغفروا ولا تقاتلوا ، وإن هذا منسوخ بآية السيف ، وأن الانتهاء عن القتال ، وأن اللفظ إخبار بالغفران والعفو . والمعنى النهى عن القتال .
﴿ وقَاتِلُوهُمْ حتَّى لا تَكُونَ فِتْنةٌ ﴾ : قاتلوا المشركين غير أهل الكتاب حتى تزول فتنتهم وهى الشرك إما بالموت وإما بالإسلام ، ولا تتركوهم ولا تقبلوا منهم جزية ، بخلاف أهل الكتاب ، فإنهم إن لم يسلموا قبلت منهم إن أعطوها وإلا قوتلوا . وإنما تقبل ، منهم لأنهم - لعنهم الله - بقية من التوراة والإنجيل غير محرفة ، وقد حرف منها ما حرف فأملهوا للآخرة بقبول الجزية لعلهم يتدبرون فيهما فيؤمنون ، ولعلهم يكونون معونة للمؤمنين على سائر المشركين بتصويب بعض ما يقول المؤمنون ، ولتكون الجزية عوناً أيضاً ، وكذا لحرمة . الكتابين بخلاف غير أهل الكتاب فلا كتاب لهم يرجعون إليه ، فإن كان إمهالهم زيادة فى الشرك فلم يمهلوا ، وإنما يسمى الشرك فتنة لأنه أعزم مضرة الإنسان الشرك ، ولأنه يؤدى إلى الظلم وتكون تامة لا خير لها .
﴿ ويَكُونَ الدِّينُ ﴾ : العبادة أو ما يدين به الإنسان ويعتقده .
﴿ لله ﴾ : خالصاً لله لا نصيب للشيطان .
﴿ فإنِ انْتَهْوا ﴾ : عن الشرك والقتال ، ولا يصح أن يفسر الانتهاء بأداء الجزية كما فعل بعض وهذه فاء التفريع .
﴿ فَلاَ عُدْوانَ إلاَّ عَلَى الظَّالِمين ﴾ : وهذا غير متكرر مع قوله : ﴿ فإن انْتهوْا فانَّ الله غَفُورٌ رَحيم ﴾ لأن الأول فى تفريع الغفران والرحمة على انتهائهم من الله ، والثانى فى تفريع الكف من المؤمنين بعدوانهم على انتهائهم ، وجواب إن محذوف تقديره : فإن انتهوا فلا تعتدوا عليهم أو لا يحل عداوتهم وقامت العلة مقام الحواب ودلت عليهِ ، أى فلا تعتدوا عليهم ، ولا يحل عدوانهم لأنه لا عدوان بقتل أو غيره إلا علا الظالمين ، فالفاء فى فلا عدوان للتعليل .
وإن قلت : كيف يكون قتل الظالم ونحو قتله عدواناً؟ قلت : العدوان فى الأصل جور ولكن سمى به جزاء الظالوم ، لمشاكلة الظلم ، وجزاء الظالم بنحو القتل عدل ، لكن لما كان جزاء للمتعدى وهو الظالم سمى باسم العدوان كقوله تعالى : ﴿ وَهُو خَادِعهُم ﴾ وقوله جل وعلا : ﴿ ويمْكُر الله ﴾ وقوله : ﴿ بمثل مَا عُوقِبتْم بهِ ﴾ وقوله : ﴿ فَمنْ اعتدىَ عليْكُمْ فاعتدُوا عليه ﴾ ، ويجوز أن يكون المعنى فإن انتهوا عن الشرك والقتال فلا عدوان إلا على من ظلمهم من المؤمنين بالقتال ونحوه ، ويجوز أن يكون المعنى حصر العدوان فى مطلق من ظلم ، فيشمل الظالم المشرك ، والظالم غير المشرك ، فيفهم منه أنه لا عدوان على المنتهى وأن يكون قوله : ﴿ فلا عدوان ﴾ خبراً لفظاً نهياً معنى كناية عن قولك لا تعتدوا على المنتهين ، فكأنه قيل : فلا عدوان عليهم .