191
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٤﴿ واقْتلُوهُم حيْثُ ثَقِفْتُموهم ﴾ : حيث وجدتموهم فى حل أو حرام بدءوكم بالقتال أم لم يبدءوكم ، وتقدم أنه قيل إن هذا ناسخ لقصر القتال على من بدأ . وعن ابن اسحاق وغيره : نزلت الآية هذه فى شأن عمرو الحضرمى وواقد ، وذلك فى سرية عبد الله بن جحش ، وأصل الثقف المهاروة فى علم شئ أو عمله ، فهو متضمن لمعنى الغلبة . قال الشاعر :
فإما تقتلونى فاقتلونى … ومن أثقف فليس له خلود
أى فان تغلبونى فاقتلونى ، ومن أغلب فليس راجعاً إلى خلود ، وليس له سبيل إلى خلود ، ويجوز أن يريد إفن تجدونى فاقتلونى ، ومن أجد فليس إلى خلود .
﴿ وأخُرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ ﴾ : أخرجوُهم من مواضع إخراجهم إياكم وهو مكة ، وقد فعل ذلك A يوم الفتح بمن لم يسلم .
﴿ والفِتْنَةُ ﴾ : البلية التى تصيب الإنسان كالإخراج من الوطن وإنزاله عن رتبة كان فيها بلا موجب ، وبهته ونحو ذلك ما يدوم به تعبهْ ، وتتألم به النفس تألماً مستمراً .
﴿ أشدُّ مِنَ القَتْلِ ﴾ : لأنه دفعه يتطاول كذلك ، وكم فتنة يتمنى الموت عندها . قال الشاعر :
لقتل بحد السيف أهون موقفا على النفس من قتل بحد فراق
وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن حوميز :
وما وجد مغلول بصنعاء موثق … بساقيه من ماء الحديد كبول
قليل الموالى مسلم بجزيرة … له بعد نومات العيون الليل
يقول له الحداد أنت معذب … غداة غد أو مسلم فقتيل
بأكبر منى لوعة يوم راعنى … فراق حبيب ما إليه سبيل
وقال الشاعر :
وما أم خفش طول يوم وليلة … ببلقعة بيداء ظمياء صاديا
تهيم ولا تدرى إلى أين تبتغى … مولهة حزنا تجوز الفيافيا
أضر بها حر الهجير فلم تجد … لغتها من بارد الماء شافيا
إذا بعدت عن خفشها انقطعت به … فألفته ملهوف الجوانح طاويا
بأوجع منى يوم شدوا حملوها … ونادى منادى البين ألا تلاقيا
وقال البغدادى :
قالت وقد نالها للبين أوجعه … والبين صعب على الأحباب موقعه
اجعل يديك على قلبى فقد ضعفت … قواه عن حمل ما فيه وأضلعه
واعطف على المطايا ساعة فعسى … من شت شمل الهوى بالبين يجمعه
كأننى يوم لوت حسرة وأسى … غريق بحر يرى الشط ويمنعه
وقيل : الفتنة فتنة الدين وهى الشرك والكبائر فى إصرارى شركهم وكبائرهم أعظم من قتلكم إياهم فى الحرم والإحرام والشهر الحرام الذى اشتعظمتم . فشركهم وكبائرهم استحلت قتلهم فى ذلك الزمان وذلك الموضع وتلك الحال وقيل صدهم إياكم عن الحرم وشركهم أشد من قتلكم إياهم فيه كذلك ، وقيل : الفتنة التى حملوكم عليها : وهى الرجوع إلى الشرك أشد من القتل لكم ، لأن قتل المؤمن تعذيب مرة يفضى به إلى الجنة ، والشرك الدائم العذاب ، وأيضاً فقتلكم إياهم هين بالنسبة إلى ما أرادوه منكم من الرجوع إلى الشرك .