197
الجزء ٢ · صفحة ٢٦١﴿ الحجُّ أشهرٌ مَعْلومَاتٌ ﴾ : لا يخفى أن الحج ليس نفس الأشهر ، فيتم الكلام بتقدير ، أى الحج حج أشهر معلومات دون الحج فى غير تلك الأشهر ، وقد كانوا يحرمون الحج فى غيره أشهره ويقضونه فى أشهره ، وكانوا أيضاً يحجون فى غير أشهره على مقتضى النسئ ، فحذف المضاف آخراً ، روى الربيع عن أبى عبيدة : لما أذن الله تعالى لنبيه A أن يحج الوداع ، وهى حجة التمام ، فوقف بعرفات فقال : « يا أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض ، فلا شهر ينسى ولا عدة تحصى ، ألا وإن الحج فى ذى الحجة إلى يوم القيامة ، » أو الحج وقته أشهر معلومات أو حذف المضاف أولا وهو زمان ، وناب عنه المصدر ، كقولك صلاة العصر موعدنا ، أى وقت العصر . قال ابن هشام : إذا احتاج الكلام إلىحذف مضاف يمكن تقديره مع أول الجزأين ، ومع ثانها ، فتقديره مع الثانى أولى نحو الحج أشهر ، فكون التقدير الحج حج أشهر معلومات ، أو من تقدير أشهر الحج أشهر معلومات ، لأنك فى الوجه الأول قدرت عند الحاجة إلى التقدير ، ولأن الحذف من آخر الجملة أولى . انتهى .
وتقدم كلام فى قوله D : ﴿ ولكنّ البرَّ منْ آمن باللهِ ﴾ وهن شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذى الحجة بيوم النحر ، وعنهما : شوال وذو القعدة كله ، وبالرواية الأولى عن ابن عباس ، يقول أبو حنيفة وقول الشافعى ، وهو قول عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله ، وعبد الله بن الزبير والحسن وابن سيرين والشعبى والثورى ، وأبو ثور ، وبالراية الأولى ، عن ابن عباس يقول ابن عمر وعروة بن الزبير ، وعطاء وطاووس والنخعى وقتادة ومكحول والضحاك ، والسدى وأحمد بن حنبل ، وبالرواية الثانية عن ابن عباس يقول ابن عمر والزهرى ، واحتج الشافعى بأن الحج يفوت بطلوع الفجر المنتشر الذى تحل به الصلاة من يوم النحر ، والعبادات لا تفوت مع بقاء وقتها ، وبأن الإحرام بالحج لا يجوز فيه ، وحجة ابن عباس فى الرواية الأولى عنه أن يوم النحر هو يوم الحج الأكبر ، وأن فيه طواف الإفاضة ، وهو تمام أركان الحج وحدجته فى الرواية الثانية عنه أنه الله تعالى ذكر وقت الحج بصيغة الجمع وهو أشهر وأقل الأشهر ثلاثة ، وأن كل شهر أوله من أشهر الحج قد كان آخره كذلك ، ومن قال ليلة النحر من أشهر الحج أجاز للإنسان أن يحرم فيها ، ويقف بعرفات مقدار الباقيات الصالحات قبل طلوع فجر الصلاة ، وأما تسمية يوم النحر وما بعده لآخر الشهر من أشهر الحج فباعتبار أنه يعمل فيها ما بقى من المناسك كالرمى والطواف والسعى ، وإنما ذلك اختلاف فى تفسير أشهر الحج المذكورة فى الآية ، فبعض فسرها بما يصح فيه الإحرام بالحج والوقوف ، وبعض فسرها بذلك مع ما يعمل فيه ما بقى من المناسك ، وإن قلت : من قال ذو الحجة كله ، فلا إشكال عليه ، أما القائلون ببعضه فكيف يسمى وقت الحج أشهراً مع أنه لم يتم ثلاثة أشهر؟ قلت : الذى عندى أنه لا إشكال ، لأن المعنى أن الحج يعمل فى ثلاثة أشهر ، لأنه إذا كان يعمل فيه بعض ذى الحجة صح أن يقال أنه عمل فى ذى الحجة ، كما تقول عملت كذا فى شهر كذا ، وإنما عملته فى ستة منه ، ولا سيما أن ذا الحجة كله يعمل فيه باقى الحج ، وأما أن يقال أطلق بعض الجمع على ما فوق الواحد مجازا أو حقيقة ، فلا يصح هنا عندى لأنه ليس المراد هنا شهرين فقط ، فلو قلنا بذلك لتعطلت البقية ، بل لو قيل إن أشهر جمع شهر الحقيق وشهر المجاز بعلاقة البعضية أو الكلية أو علاقتهما لكان أولى من هذا الذى ذكرت أنه لا يصح ، ولو كان جمع اللفظ الحقيقى والمجازى فى صيغة واحدة مرجوحاً مختلفاً فيه ، وتجوز العمرة عندنا فى باقى السنة ، وكره مالك العمرة فى باقى ذى الحجة ، زاعماً أن وقت الحج ما لا يحسن فيه غيره من المناسبك مطلقاً ، وكذلك قيل عن عمر وابن عمر وعروة أن العمرة غير مستحبة فى باقى ذى الحجة ، فكأنه مخصص للحج وكان شهر حج لا غير ، وكان عمر فيما قيل يصرب الناس بالدرة على العمرة فى باقيه وينهاهم ، وقال ابن عمر لرجل : إن أطعتنى انتظرت حتى إذا أهللت المحرم خرجت إلى ذات عرق فأهللت منها بعمرة ، وقالوا : لعل مذهب عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر ، وكره أبو حنيفة الإحرام بالحج قبل شوال وأمضاه إن وقع ، زاعماً أن المراد بقوته وقت أعماله ومناسكه ، فأجاز الإحرام به قبل شوال دون أعماله ولا معارضة بين هذه الآية وقوله : ﴿ مَوَاقيتُ للنَّاس والحجِّ ﴾ لأن المعنى أن الأهلة مواقيت للحج ولغير الحج ، وهذه الآية فى الحج فقط ، فهى خصوص من عموم ، أو قوله : ﴿ مواقيت ﴾ يفيد بظاهره أن الأهلة كلها مواقيت للناس ، وكلها مواقيت للحج ، فكانت هذه تفسير أن ميقات الحج أشهر معلومات فقط ، ولك أن تقول أشهر السنة مواقيت للحج بمعنى أن حساب أشهر الحج متوقف على حساب الأشهر قبلها ، وذكروا أن عكرمة لقى أبا الحكم بالجلى وقال : أنت رجل سوء ، يقول الله ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ .